الرئيسية / وجهات نظر / اختلاف الانتماءات واختلاق الصراعات
eabb811146c0104c4f885f4d4d377f4e

اختلاف الانتماءات واختلاق الصراعات

عندما وقف محمد بوعزيزي وسط الحي ثائراً حاملاً عود الثقاب، لم يكن يدرك أنه بإشعال هذا العود سيشعل فتيل ثورات عربية، ويقلب مجريات الحركات السياسية والتاريخية. وقد سبق أن أوقد فتيل الحرب العالمية الأولى، طالب صربي يدعى جافريلو برينسيب، التي انتهت عام 1918، وبلغ عدد القتلى فيها نحو تسعة ملايين، وجاءت بعدها الحرب العالمية الثانية، التي انتهت في 1945، بعد أن تسببت في إبادة أكثر من 2.5% من سكان العالم حينذاك، ودمرت منشآت ومحاصيل زراعية، وغيرها من الخسائر الفادحة، وقد دارت بين دول الحلفاء وأبرزها فرنسا والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة، والاتحاد السوفييتي من جهة، ودول المحور وأبرزها ألمانيا وإمبراطورية اليابان وإيطاليا من جهة أخرى.
وقد حاربت هذه الدول بكل ما تمتلك من طاقات وأسلحة وجيوش، وأسفرت الحرب عن تعدد الانتماءات وانقسامات الشعوب، ما أدى إلى حروب وصراعات أبادت مدناً، وطاقات بشرية هائلة، وظهرت أيديولوجيات جديدة، بعد أن دفعت الشعوب ثمناً باهظاً ومرت بدروس قاسية وتجارب أليمة. وترجع الانقسامات بين الشعوب والأفراد أحياناً إلى اختلاف انتماءاتهم القومية أو العقائدية أو الحزبية أو المذهبية وغيرها، ويشكل بعض الاختلافات أرضية خصبة للانشقاقات والانقسامات الموجودة بين الشعوب، وعندما تشتد أو تبرز حدة الاختلافات وتبلغ أوجها، قد تسبب النزاعات والحروب.
وقد يتباعد الأفراد حسب اختلافات متعددة أو يتقاربون بروابط معينة، كما أن هناك محاور وجوانب عديدة تسهم في تشكيل الاختلافات أو الروابط الموجودة بين الأفراد، وتحدد قائمة المحاور الاختلافية، منها الناحية الاقتصادية كالنشاطات التجارية والأمور المالية، كما تعتبر العقيدة والدين والمذهب من الجوانب المهمة لتشكيل الروابط، ويلعب الموقع الجغرافي ومكان الإقامة في تقارب أو تباعد الأفراد، كما تتضمن المحاور الاختلافية الجوانب السياسية والأهداف المشتركة والقضايا المصيرية، والاختلافات الشكلية كاللون والطول والملامح والملبس، وتدخل في القائمة النواحي الثقافية أو الفكرية والعلمية والعادات والتقاليد، والانتماءات القومية والروابط الدموية والعرقية.
وتندرج القيم والمشاعر والأخلاق والميول والهوايات والسلوكات، ضمن الجوانب الروحية أو الذاتية، كما أن هناك محاور اختلافية أخرى في النواحي الاجتماعية والفلسفية وغيرها، إذ تختلف انقسامات الأفراد بناء على محاور القائمة الاختلافية.
ومن أبرز المحاور أو الجوانب الاختلافية بين الأفراد السلوكات، ومدى اختلافهم في ردود الأفعال على أحداث معينة أو نحو الأهداف الشخصية والعامة، حيث قد ينقسم أو يختلف الأفراد بناء على سلوكاتهم تجاه المصالح الشخصية والعامة، حيث تعتبر المصالح الخاصة عند البعض أهدافاً أولية وأساسية، بينما يضع البعض المصالح العامة فوق كل الاعتبارات.
وقد تختلف الروابط والانتماءات أو الانقسامات بين الأفراد حسب تقديراتهم وتقييمهم لمحاور القائمة الاختلافية، فبعض الاختلافات يكون جوهرياً عند البعض وثانوياً في نظر آخرين، إلا أنه يجب الالتزام بمراعاة واحترام حقوق الآخرين والاختلافات الموجودة بينهم، وقد يتغير نمط وأسلوب حياة الإنسان وروابطه، حسب وضع التقييم المناسب لمحاور القائمة الاختلافية.
وتتسم المجتمعات الصحية بتقبل اختلاف الآراء وتباينها واحترام وجهات النظر، ومن الضرورة التوجيه لخلق جيل قادر على استخدام لغة صحية وأدبية للحوار والمخاطبة البناءة، مهما اشتدت حدة الاختلافات، بعيداً عن سفك الدماء.
كما تمتاز المجتمعات المستقرة بثبات قوامها، وتعثر محاولات أشخاص لدفع الأفراد إلى الانزلاق نحو تيار منحرف أو نشوب قتال. وفي الحربين العالميتين الأولى والثانية، قتل الملايين ودفع الضحايا ثمناً باهظاً لروابط وانتماءات قد تكون غير جوهرية، ومن الأجدر أن تكون الروابط بين الأفراد قائمة على أسس حقيقية ومستندة إلى ركائز ثابتة، فالحروب الحقيقية تقع عندما يضع الأفراد معتقداهم وآراءهم في الأخلاق والقيم والسلوكات والجوانب الروحية والذاتية، في صدارة الأولوية في قائمة المحاور الاختلافية.
“البيان” الاماراتية