الرئيسية / وجهات نظر / ديكارتية جديدة: حزب جبهة التحرير جزائري بديل في فرنسا
AZRAJE OMAR

ديكارتية جديدة: حزب جبهة التحرير جزائري بديل في فرنسا

في الوقت الذي تشهد فيه العلاقات الجزائرية الفرنسية مدا وجزرا وتوترات مستمرة، بخصوص التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية في عهد الاحتلال التي تخالف الأعراف الدولية وتسببت في تلويث البيئة ولا تزال إلى يومنا هذا تلحق الإعاقة بالمولودين الجدد، وجراء عدم اعتراف فرنسا بجرائمها الاستعمارية على مدى قرن وثلاثين سنة سقط فيها مليون ونصف مليون شهيد فضلا عن المعطوبين والمعطوبات والآلاف من اليتامى والثكالى، نزل خبر إنشاء عدد من النشطاء السياسيين الجزائريين الحاملين للجنسية المزدوجة بفرنسا لحزب يحمل اسم جبهة التحرير الوطني ليمثلهم ومعهم الجالية الجزائرية في المهجر الفرنسي كالصاعقة على رؤوس قيادة حزب جبهة التحرير الوطني وأمينه العام عمار السيد سعداني.
ولقد أصاب الذهول قيادات الحزب العتيد بسبب اعتراف فرنسا رسميا بهذا الحزب ونشر الجريدة الرسمية الفرنسية ملف وثائق اعتماده، مما يعني مباشرة أنه من حق هذا الحزب أن يمارس نشاطه السياسي بحرية كاملة في الفضاء الفرنسي وفي أوروبا وفي الجزائر العميقة.
لا شك أن تخوف قيادة جبهة التحرير الوطني التقليدية في الجزائر من إنشاء هذا الحزب وبهذا الاسم بالذات ينبع من مصدرين؛ أولهما أن اعتراف فرنسا بالنسخة الثانية من هذا الحزب يعني بالنتيجة اعتراف الاتحاد الأوروبي به ضمنيا، وثانيهما يتمثل في إمكانية توسع هذا الحزب بشريا ونشاطا سياسيا ليشمل الجاليات الجزائرية في أوروبا والغرب برمته.
وهنا نتساءل لماذا تحرك المهاجرون الجزائريون المقيمون في فرنسا هذا التحرك السياسي الاستثنائي وفي هذا الوقت بالذات؟ ألا يحق لأبناء الجالية الجزائرية أن يخلقوا لأنفسهم أطرهم السياسية التي تمثلهم حق التمثيل ودون إقصاء أو وصاية؟ وماذا ينتظر أن تفعله قيادة هذا الحزب البديل في المستقبل المنظور، وخاصة أثناء الاستحقاقات الانتخابية المقبلة سواء كانت بلدية، أو ولائية، أو برلمانية، أو رئاسية؟ وهل سيحدث الصدام بين قوانين الدستور الجزائري المصادق عليه مؤخرا، وبين قيادات وأعضاء هذا الحزب المهجري؟

إقرأ أيضا: النظام الجزائري يحول المهاجرين إلى هنود حمر

لا شك أن هذا التحرك يدخل، كما قال لي إعلامي ومهاجر جزائري مقيم بباريس، في إطار وطني أخلاقي وسياسي بهدف “إعادة الاعتبار” لحزب جبهة التحرير الوطني، ولنفخ الحياة في جسده المترهل الذي أصيب بالتكلس العقائدي وبتخريب مبادئ حركة التحرر الوطني، وإغراق البلد في الفشل الذريع الذي حال دون تحقيق رهان التنمية الوطنية الحداثية بكل أنماطها طوال فترة الاستقلال بما في ذلك تحديث الإنسان الجزائري الذي ركن، ولا يزال يركن، في كهوف التخلف الاقتصادي والمعرفي وهلم جرا.
وفي الحقيقة، فإن حزب جبهة التحرير الوطني في طبعته التقليدية فقد الشرعية التي كان يستند إليها، وجر الشعب الجزائري إلى كوارث لا حصر لها وفي مقدمتها طمس تراث الهوية النضالية لجبهة الكفاح في عهد الاستعمار الفرنسي، كما زج بالجزائر في العشرية الدموية التي لا تزال أشباحها الكئيبة تخيم على المواطنين والمواطنات إلى يومنا هذا.
ومن جهة أخرى، فإن إنشاء الجالية الجزائرية لحزبها هو رد واضح وإيجابي على إهمال النظام الجزائري لجاليته المغتربة على مدى سنوات الاستقلال، وعلى الدستور الجديد الذي رسَم الجزائريين والجزائريين المهاجرين في العالم بأسره كخونة في الاحتياط، وحرمهم قانونيا من تولي ما يسمى في الأعراف والتقاليد الإقصائية لهذا النظام المناصب العليا الحساسة في الوطن في حالة عودة هذا المهاجر ليقيم فيه.
إنه من غير المعقول أن يتم إقصاء ما يقرب من 5.5 ملايين جزائري مهاجر مقيم في فرنسا من الحق السياسي في بلادهم الأصلية بدعوى أن حمل الجنسية المزدوجة (التي يعترف بها النظام الجزائري رسميا طبعا) يمثل خطرا على الأمن الوطني، وأنه وباء مفسد لجينات النسل الجزائري في داخل البلاد. إن الطعن العلني في وطنية المهاجرين والمهاجرات الجزائريين والجزائريات، يعد فعلا سابقة خطيرة ليس لها مثال في العالم بأسره، خاصة بعد أن حوله دستور السلطة الجزائرية إلى واقع محزن، وإلى حرمان مقنن سالب لحقوق المواطنة، يعني مباشرة طمس هويتهم الوطنية، وتجريدهم من تاريخهم وفسخ علاقتهم بأصولهم التي هي حقهم الطبيعي بامتياز.
وهكذا نجد أنفسنا أمام مفارقة تاريخية مضحكة فعلا، حيث نجد فرنسا التي حاربت جبهة التحرير الوطني ومجاهديها بأسلحة الدمار الشامل منذ 1954 إلى عام 1962 قد غيرت رأيها الآن، وعقدت العزم على أن تعطي لها حق العمل السياسي والشرعية، بعد أن حولتها سنوات الاستقلال في الجزائر إلى مشكلة معقدة مزمنة، وإلى عقبة أمام الديمقراطية والتطور والإخلاص للمبادئ.
إن سماح فرنسا رسميا لحزب جبهة التحرير الوطني الجزائري البديل ليعمل على أراضيها وانطلاقا منها، يجعلنا نفكر ونعيد التفكير في الكثير من الأمور التي كنا نظن أنها ثابتة، إذ أصبح يبدو لنا أن الكوجيتو الديكارتي قد بدأ يتخلص من نزعة الشك التي قام عليها في تفسيره لماهية وعمل العقل فسبحان الله مغير الأحوال.

كاتب جزائري/”العرب”