الرئيسية / وجهات نظر / وهن الصحافة الحزبية في المغرب
86f2c888c7479e608a9f5ebe11222d08

وهن الصحافة الحزبية في المغرب

من الواضح أن نعت الحزبية في الحديث عن الصحافة يعني انتماء جريدة يومية أو نشرة أسبوعية ما إلى حزب سياسي، أو التزامها بالتعبير عن منحى سياسي معلوم. وطيلة عقود اعتدنا على قراءة عنوان فرعي تحت اسم الجريدة أو النشرة «لسان حزب..». وتاريخ الصحافة المغربية (على غرار الكثير من نشرات الصحافة في البلدان العربية المختلفة) يرتبط إلى حد بعيد بتاريخ حركات التحرر الوطني. نعم، هناك جرائد وصحف قد صدرت في هذا البلد أو ذاك من العالم العربي في مرحلة مبكرة، يعني سابقة على حلول الاستعمار في تلك البلدان (والشأن كذلك بالنسبة للمغرب)، بيد أن السمة العامة في الجرائد العربية هي أن صدورها أتى متزامنا مع حركات التحرير الوطني في مختلف تلك البلدان مثلما أن صدور الجريدة يتصل بسيرورة الحداثة في البلدان العربية. نذكر على سبيل المثال، أن الصدور المنتظم لأول جريدة في مصر يرجع إلى عودة الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي من رحلته الدراسية في فرنسا. قد يذكر قراء «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»، (وهي الرحلة التي دوَّن فيها الشيخ المصري، إمام البعثة العلمية الأولى التي أرسلها الخديو محمد علي إلى فرنسا)، تفرد فقرات طويلة لظاهرة الصحيفة اليومية ولحريتها في التعبير عن الآراء السياسية التي ليست بالضرورة هي تلك التي تعتنقها السلطة الحاكمة. في المغرب أيضا صدرت بعض الصحف الأسبوعية في الفترة السابقة على الاحتلالين الفرنسي والإسباني للمغرب، بيد أن ظهور الصحافة المغربية في المعنى الذي تكون فيه الجريدة متوافرة على الشروط الاحترافية الأساسية في العمل الصحافي يرتبط بميلاد الحركة الوطنية المغربية. وبالنظر إلى التفاوت الموجود بين طبيعة كل من الاستعمارين الفرنسي والإسباني وفي الموقف من العمل الصحافي خاصة، فقد كانت للجرائد التي صدرت في المنطقة الشمالية من المغرب (وهذه كانت خاضعة للحماية الإسبانية)، سمات مميزة تعكس حالا من الحرية النسبية؛ مثلا قورنت بالجرائد التي كانت تصدر في كل من الرباط والدار البيضاء وفاس بكيفية متعثرة. كما أن طبيعة «المنطقة الدولية» التي كانت لمدينة طنجة (نتيجة أوفاق تم إقرارها بين دول استعمارية عدة) جعلت للصحافة التي كان تصدر في المدينة المغربية المذكورة نكهة مميزة. غير أن نعت الصحيفة الحزبية لا يصدق على الصحافة المغربية كلية (وقد نستثني جريدة واحدة هي «العلم»، إذ صدر أول أعدادها بُعيد منتصف أربعينات القرن الماضي، بعد التأسيس الرسمي لحزب الاستقلال) إلا بعد استعادة المغرب استقلاله وبعد انتهاء عهد الحمايتين الإسبانية والفرنسية وزوال صفة «المنطقة الدولية» عن مدينة طنجة.
خلال عقدين كاملين من الزمان، بل وربما طيلة ما يقارب الثلاثين سنة، عاشت الصحافة التي تعلن عن انتمائها الواضح لهذا الحزب أو ذاك، أو تلك التي يعرف المثقفون وعموم القراء تعاطفها مع هذه القوة السياسية أو تلك (من قوى اليسار خاصة) فترة هي من أكثر فترات الصحافة الحزبية في المغرب بهاء وإشراقا. والملاحظ، أولا، أن الأغلبية العظمى من الأقلام التي اشتهرت في المغرب (أو التي سيكون لها اسم وذيوع في المغرب وخارجه بعد ذلك)، قد تلمست خطواتها الأولى في جرائد الأحزاب السياسية المغربية. ثم الملاحظ ثانيا، هو أن بداية صدور الملحق الثقافي الأسبوعي لكبريات تلك الجرائد تعد حقا بداية نقلة فعلية في العمل الصحافي في المغرب من جهة أولى، كما يعلم، من جهة ثانية، على مرحلة جديدة من مراحل تطور القصة القصيرة والقصيدة ومقال النقد الأدبي الذي يجرب المنهجيات المعاصرة التي كان أساتذة الجامعة المغربية يبشرون بها في درس النقد الأدبي والتحليل اللساني، فضلا عن المقاربات الفلسفية التي تتوق إلى الابتكار والمغايرة. نعم، كانت هناك صحف مغربية تؤكد استقلاليتها عن صف صفة الانتماء إلى هذا الحزب السياسي أو ذاك، غير أنه لم تكن لها صفة الانتظام في الصدور، وكانت على وجه الخصوص، أبعد ما تكون قدرة على منافسة الصحافة الحزبية المغرية، وبالأحرى التفوق عليها. ربما وجب في هذا الحديث أن نذكر بعض صفات أخرى كانت تميز هذه الصحافة الحزبية. أولى تلك الصفات وأخصها، أن العمل فيها كان يكتسي سمة النضال السياسي أو العمل السياسي في مستوى الإنتاج الثقافي. وإذن فإن العاملين في جرائد الأحزاب السياسية المغربية (في الفترة التي نتحدث عنها) كانت لهم صفة المناضل السياسي في الغالب، بمعنى أنها كانت قلة قليلة تلك الفئة التي كانت تعمل في صحف الأحزاب السياسية المغربية بصفة الصحافي الذي يمتهن العمل الصحافي. والصفة الثانية أن العمل في صحافة الأحزاب السياسية في المغرب (في الفترة موضوع حديثنا – العقود الثلاثة الأولى بعد استرجاع المغرب استقلاله) إذا لم يكن يتوفر دوما على صفة المهنية العالية (الحق أن الصحافي خريج معهد الصحافة أو مدرسة تكوين الإعلاميين، كان يعتبر شذوذا أو استثناء يؤكد القاعدة في الصحافة الحزبية)، فقد كان يتسم بصفتي الجدية والإخلاص للعقيدة الحزبية. والحق أيضا أن صحافيين على درجة عالية من الاقتدار والمهارة سيكتسبون هاتين الصفتين من الممارسة ومن القدرة على المواكبة والاستفادة من التجارب ومن دورات التكوين القصيرة – في أحوال نادرة كذلك.
ما ذكرنا من صفات، وأخرى غيرها كانت للعاملين في الصحافة الحزبية في المغرب، قد عرفت تحولا جذريا، بل إنه يجوز الحديث عن انقلاب في فئات العاملين الصحافيين في صحف الأحزاب السياسية المغربية، ولكن حال الصحافة الحزبية يتسم بوهن شديد هو أقرب إلى الهزال الناشئ عن ضعف في التغذية أو الفساد في عمل وظائف الأعضاء منه إلى أسباب أخرى، وبالتالي فهو يعزى إلى المرض والمخالفة لحال الصحة والسواء. لست أريد أن أرسل القول على عواهنه، مثلما أنني لا أروم تقديم الأسباب التي تبدو لي الأكثر وجاهة، بيد أنني أطرح جملة سؤالا واحدا من بين أسئلة شتى.
تفيد المعطيات التي تتعلق بمبيعات الصحف بأن مجمل مبيعات جريدة مغربية يومية (لا تنتمي إلى حزب أو تنظيم سياسي معلوم) تفوق أضعاف أضعاف مبيعات الصحف الناطقة بأسماء الأحزاب السياسية المغربية مجتمعة. لا، بل إن الجريدة التي تحتل الترتيب الخامس من حيث المبيعات (وهي بدورها مستقلة، شأنها في ذلك شأن الصحف الأربع الأخرى قبلها) تصل في بعض الأحيان إلى عدد يقارب ما تبيعه صحافة الأحزاب المغربية مجتمعة.. فلماذا كان الشأن كذلك؟
“الشرق الاوسط”