الرئيسية / وجهات نظر / من سيرة الطيب الصدّيقي
معن البياري

من سيرة الطيب الصدّيقي

لا أعرف اللغة الفرنسية، غير أنني لم أتردّد في الدخول إلى صالة المسرح، لمشاهدة عرض مسرحيٍّ فيها، بأداء الطيب الصدّيقي وإخراجه. كان ذلك قبل أربعة وعشرين عاماً في مهرجان في مدينة وجدة المغربية، كنتُ مدعواً إليه، إبّان مُقامي في المغرب. كان الفنان الشهير أبرز نجوم المهرجان وضيوفه، ولا أنسى صيحتَه فينا، في الفندق، بفرحٍ كبير، وبدويٍّ أضفى عليه مشهد الصدّيقي، بجسده الممتلئ، وشعره المنسرح، بأن نحتفي جميعنا بوجود المخرج الجزائري، عبد القادر علولة، بيننا. كان يريد من الضيوف والمدعوين أن يغتبطوا بالقدير علولة، والذي قضى، تالياً، برصاص الإرهاب في وهران، في مساءٍ رمضاني، وكان في طريقه إلى إلقاء محاضرةٍ عن “المسرح العربي من توفيق الحكيم إلى عبد الكريم برشيد”. أقنعتُ نفسي بمشاهدة ذلك العرض بالفرنسية، قناعةً مني بما كنت قرأتُه للصدّيقي نفسه إن المسرح لعبٌ على الخشبة، وله لغته. كان مساءً بهجياً، شهدتُ فيه هذا الفنان، صاحب الحضور الخاص، يلعب على المسرح، يقفز، ويغني، ويبدّل الأثواب الملونة والفارهة، ومع زملائه على الخشبة (أو الرّكح)، صنع قدّامي فرجةً ممتعةً … بالفرنسية.
توفي الطيب الصدّيقي، الأسبوع الماضي، عن 79 عاماً، بعد أيامٍ من “تسرّب” صور له تُظهره في شيخوخةٍ ووحشةٍ تبعثان على شيء من الأسى، وهو الذي كان احتفالياً بنفسه، وبالناس حواليه، وبأصدقائه ومعارفه، وإنْ توحي تقاسيمُه، بقلة الحميمية في شخصه. وكان هذا الانطباع، الخاطئ على الأغلب، قد شعرنا به، لمّا جالسناه، بعض الوقت، في أثناء مهرجان جرش في صيف 1985، وكان قد قدّم مسرحيته “ألف حكاية وحكاية من سوق عكاظ” (كتابة وليد سيف)، أول مرة في الافتتاح، وكانت بمشاركته مع “فرقة الممثلين العرب”، وضمّت اللبنانييْن نضال الأشقر ورفيق علي أحمد والمغربية ثريا جبران والعراقي قاسم محمد (وغيرهم). وكانت إطلالةً قوية للصدّيقي في المشرق العربي الذي لم يجهل يوماً مكانته، وتجربته الثريّة في بلده. وكان ذلك العرض محطةً مشهديةً مهمةً في اشتغال المسرحي العربي الكبير على الموروث العربي، وعلى المحكي والمروي التراثي. وهذا واحدٌ من أبرز منجزات الصدّيقي، منذ بواكيره، مروراً بصنيعه الوفير الذي اقترح صيغةً تتقاطع فيها الأشكال التراثية مع الإفادة من المسرح الحديث، وهو الذي درس المسرح في فرنسا. ومعلوم أنه عكف على أبي حيان التوحيدي وبديع الزمان الهمذاني وجحا من القديم العربي، ومن ألف ليلة وليلة، وغير ذلك كثير، مخرجاً وكاتب نصوص وممثلاً، وانصرف أيضاً إلى الثقافة المغربية الشعبية، فآخى باقتدارٍ بين الفصيح والعامي في مشواره العريض. وفي أثناء هذا وذاك، اقتبس كثيراً من أعمالٍ فرنسيةٍ وأجنبيةٍ كثيرة، وبذلك ثمّة وجاهة كافية في وصف ثقافة الراحل إنها كانت رفيعةً، وعالية في المسرح والفنون (له لوحات تشكيلية أيضاً، قال مرّة إنه رسمها من أجل الفلوس!). وفي البال، أنه أنجز فيلماً سينمائياً، متواضع القيمة، وأداؤه شخصية سراقة في فيلم مصطفى العقاد “الرسالة” لا يغادر البال.

إقرأ أيضا: رشيد بوجدرة يرثي رحيل المسرحي المغربي الطيب الصديقي

توفي الطيب الصدّيقي، وهو على حلمه بناء مسرح كبير في الدار البيضاء، وهو يرفل بألقابٍ استحقّها، منها أنه شيخ المسرحيين المغاربة، وأنه أب المسرح الحديث في المغرب. وتلاميذه يتجاوزون خشبة الفن السابع إلى الغناء الشعبي (والسياسي)، في فرقتي جيل جلالة وناس الغيوان مثلاً. وفنانٌ بكل هذه المراكمة في المسرح (وغيره)، وبتأسيسيّته وحداثيّته، وبموسوعيّته على ما نعاه مواطنه عبد الكريم برشيد، لا يجوز حصره بنعته مطبّعاً مع إسرائيل، لا غير، في ذمّ سقطته المعلومة، والتي أعلن الطيب الصدّيقي، تالياً، ندمَه عليها، واعتذاره بسببها، في بيانٍ مكتوب، وفي نفورِه، غير مرّة، من تذكّر رحلته إلى إسرائيل، وصلته العابرة بشيمون بيريز. لم يفعل هذا الندم والاعتذار أحدٌ من الكتاب العرب الذين يُواصلون هذه السخافة، ربما لأن في الطيب الصدّيقي مقادير من فرادةٍ حاذقةٍ، في شخصه ومسرحه وضجيجه.

كاتب وصحفي من الأردن/”العربي الجديد”