الرئيسية / وجهات نظر / في جمهورية جلالته!!
أبو-طالب-200x200

في جمهورية جلالته!!

النسخة الجديدة من دستور الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لا تروم شيئا في نهاية المطاف سوى الإلغاء الشامل لشكل الدولة التي قامت على أسسها الجزائر. هذا هو الاختصار الوحيد الأمين لمقاصد الدستور.

أما التفصيل فإن مواد الدستور تندرج في عمومها خلال نوعين لا أكثر، نوع يقصد منه تفجير نقاش مجتمعي لا طائل من ورائه سوى صرف النظر عن النقاش الحقيقي المفترض ونوع آخر يفصل بالمليمتر شكل الدولة على جسم المرشح المقبل للرئاسة. النوع الأول من المواد تمثله بجلاء مادة ترسيم اللغة الأمازيغية التي فجرت شلالا من النقاشات غير المرغوبة لسببين، أولهما أن الأمازيغية كانت في مسار الترسيم من سنوات وبالتالي فما حدث هو تتتويج لمراحل لاحقة مرّت أمام الجميع ولا يجدر بأحد أن يكون متفاجئا من الترسيم، اللهم إلا إن كان أبلها وأعمى وأصم.

السبب الثاني لجعل النقاشات غير مرغوبة، هو أن الترسيم تم في شكل قانوني يوحي بأن القضية برمتها ستكون بيد الرئاسة وأكاديميتها المقبلة للأمازيغية، يعني مهما تناقش المتناقشون فلا معنى لنقاشهم فهم بلا أثر على حقيقة ما سيحدث من خطوات ترسيمية ستقررهاالأكاديمية الرئاسية وحسب

نأتي للنوع الثاني من مواد الدستور والتي تفصل شكل الدولة، والتي يمكن من خلال استقرائها جميعا القول بأن الدولة المرغوبة من طرف السيد بوتفليقة ليست دولة الجزائر التي نعرفها، ليست جمهورية ولا شعبية ولا ديمقراطية ولا عقلانية ولا قابلة للاستمرار بالمرّة، إنها دولة رجل لا يريد أن يموت قبل أن يحكم قبضته على مستقبلنا! دولة ينتخب فيها المواطنون برلمانهم، وفي حين يفترض أنهم انتخبوا البرلمانيين ليشكلوا حكومة تحكمهم، فإن دستور بوتفليقة يقترح أن ينتخب الناس بحرية ثم يعين الرئيس. بحرية أيضا رئيس الحكومة ووزراءها بغير أي إلزام له بأن تطابق اختياراته اختيار الشعب!

دولة يعين فيها الرئيس رئيس المجلس الدستوري الذي يفترض به مراقبة سلوكيات الحكومة والرئاسة، ويعين فيها رئيس مجلس المحاسبة الذي يفترض فيه أن يحاسب نزاهة الحكومة المالية ويعين المسؤولين في القضاء الذي يفترض أنه سلطة مستقلة عنه، ويعين المسؤولين في الولايات والبلديات ويعين السفراء والقناصل. باختصار، يعيّن الرئيس كل شيء ثم يعين الشعب منتخبين محليّين وبرلمانيين يمكن للرئيس. ولمن عينهم إلغاء وظائفهم عبر حل المجالس البلدية وحل البرلمان نفسه في حال لم يخضع لحكومة الرئيس!

إن هذا الشكل يوحي بحقيقة ما يرغبه الرأس المدبر لهذه العملية، إنه يعتقد بخطورة ترك القرار للشعب وإنفاذ إرادته ولذا فمقابل كل مسؤول يعينه الشعب تعين الرئاسة مسؤولا آخر بصلاحيات أقوى.

وحتى حينما تقرر الرئاسة إتاحة الفرصة للاحزاب المعارضة لإخطار المجلس الدستوري بالخروقات القانونية للحكومة فإنها تفعل ذلك عند مجلس عين الرئيس مسؤوله الأول.

إنه منتهى الحمق والعبث أن تشتكي المعارضة الرئاسة عند موظف لدى الرئاسة!

كمية اللامنطق والعبث الواردة في الدستور لا تعمينا عن حقائق إضافية معناها أن الرئاسة تريد إتاحة الفرصة لديمقراطية شكلية وتحصّن نفسها في حال انقلبت الإرادة الشعبية ضدها؛ بحيث لا البرلمان ولا المجالس المحلية يمكنها أن تفعل شيئا في حال كسبتها المعارضة لأن الرئاسة ستمسك بكل الخيوط.

ربما ثار السؤال: ومن يضمن للرئاسة أن يكون مرشحها المقبل هو الصديق الأمين على مصالح الرئاسة القائمة حاليا؟ الجواب بسيط: إن الرئاسة في بلد في جبروت جغرافيا وتاريخ الجزائر أخطر بكثير من أن تترك للجزائريين وحدهم!  نعم ، إن فرنسا تهتم وأمريكا ترغب والمنصب لن يكون لرجل خطير عليهما إلا في حال وقف الجيش معه. والجيش نفسه ما زال يصارع للتخلص من النفوذ الفرنسي في مفاصله تماما ويكافح ليعود قراره وطنيا، يكافح فعليا لأن الواقع أن رسائل الرئيس الفرنسي التي تدعو بوتفليقة للاعتماد على فرنسا لا تعني في حال تجريد ألفاظها من كل طابع دبلوماسي إلا رسالة من سطر واحد: إن عارضك الجيش فسنطحن عظامه!

هنا يبدو أمامنا مستقبل واضح، رئاسة تعينها مصالح أجنبية لتحكم بلدا يعين شعبه منتخبين محليين وبرلمانيين بدون صلاحيات! هذا دستور فوق أنه يؤسس لدولة الفرد فهو يؤسس لدولة الارتهان للخارج وبقاؤه على حاله خطر على وجود الأمة الجزائرية.

ولكي لا نخدع أنفسنا فليس للحل من وجوه إلا إسقاط الدستور انتخابيا وهو أمر مشكوك فيه لضعف التجند الشعبي، أو إسقاطه عبر اختيار رئيس جديد لا يوافق مقاسات فرنسا وأمريكا ليعيد رسمه من جديد بما يحافظ على المكتسبات ويلغي المخاطر. أما الخيار الثالث فهو أن يعلن الجيش نفسه بحديث لا مراء فيه أنه يواجه حالة احتلالية لدولتنا، ووقتها سيكون الشعب على قدر مسؤوليته التاريخية.

غير ذلك، قولوا وداعا لعقولكم، ومرحبا بكم في دولة جلالة الرئيس