الرئيسية / وجهات نظر / المغرب.. قطباً حضارياً واقتصادياً
b45ee44cb3181d1af1cd7c9bd2a7bf23

المغرب.. قطباً حضارياً واقتصادياً

شركة «سفران» Safran الفرنسية لصناعة الطيران واحدة من كبريات شركات صناعة الطيران في العالم، وقد أصبح لها تواجد متميز في السنوات الأخيرة في المغرب، ولها فرع يترأسه حميد الأندلسي بن إبراهيم… وقد عرفت أنشطة قطاع صناعة الطيران المغربية تطوراً بنسبة 25 في المئة سنوياً، بالموازاة مع نمو مجموعة من المهن العالمية في المغرب، الشيء الذي ساهم في ارتفاع رقم معاملات القطاع عند التصدير بقيمة 5,2 مليار درهم مغربي، مع تأثير غير مباشر لنسيج المقاولات الصغرى والمتوسطة على مستوى المداخيل… ولأول مرة في تاريخها عقدت شركة «سفران» مجلس إدارتها السنوي يوم الجمعة الماضي خارج فرنسا وبالضبط في مدينة فاس المغربية، تثميناً للخطوات التي يقوم بها المغرب والاستقرار الكبير الذي يعرفه البلد مقارنة مع دول المنطقة، وحصل لي شرف إعطاء محاضرة علمية عن أسباب ومسببات هذا الاستقرار في وجبة غداء جمعت مسؤولي شركة «سفران» والعديد من الشخصيات الوطنية والدولية… وأرجعت تلك العوامل إلى ثلاثة أسباب رئيسية ألخصها فيما يلي:
– العامل الحضاري التاريخي: المغرب احتفل سنة 2008 بذكرى مرور اثني عشر قرناً على تأسيس الدولة الإسلامية الأولى فيه. وكان لفاس، أول عاصمة للمملكة، دور كبير في تأسيس الدولة المغربية والمواطن المغربي الذي عرف بانفتاحه وقبوله بالآخر أياً كانت ديانته. وكان من آثار توسيع فاس، ظهور حركة علمية، انطلاقاً من جامع القرويين الذي أسسته السيدة فاطمة بنت محمد الفهري المكناة أم البنين، عام خمسة وأربعين ومائتين للهجرة (859م) في عهد يحيى حفيد إدريس الثاني، ثم جامع الأندلس الذي أنشأته بعد ذلك أختها السيدة مريم، وكانتا قد وفدتا ضمن الأسر التي قدمت من القيروان إلى فاس في ذلك العهد. ويمكن القول إن المدينة أصبحت بفضل هذين الجامعين -لا سيما القرويين- عاصمة علمية تضاهي قرطبة في الأندلس، ومركزاً دينياً للفقه المالكي الذي اختاره المغاربة واستقروا عليه -إلى جانب العقيدة الأشعرية- ابتداء من منتصف القرن الثاني الهجري، حتى غدا من أبرز ظواهرهم الفكرية، إن لم يكن أبرزها على الإطلاق. واكتسبت مدينة فاس مركزية لا توصف، ليس بالنسبة للمغرب فحسب، ولكن للعالم الإسلامي كله، إذ غدت قبلة الفقهاء الوافدين إليها بأفواج كبيرة من كل حدب وصوب، لاسيما من القيروان والأندلس أواخر القرن الثاني الهجري وأوائل الثالث، على نحو ما يحكي التاريخ عن وفود القيروانيين والأندلسيين الذين كانوا في معظمهم من الفقهاء المالكيين، ووفود اليهود الذين اضطهدوا في الأندلس، والرحالة والطلبة والعلماء من كل الديانات على نحو ما يُذكر عن قدوم جربير(Gerbert d’Aurillac) الذي هو البابا سلفستر الثاني، إذ يقال إنه زار فاس بعد منتصف القرن العاشر الميلادي، وأخذ الحساب عن علماء القرويين، وإنه هو أول من أدخل الأرقام العربية إلى أوروبا. ولم يكن غريباً في سياق هذا التطور المتنامي، أن تحتضن فاس جموع الوافدين إليها من مختلف الجهات، وأن تصهرهم في بوتقتها، وتدمجهم في مجتمعها المتحرك الجذاب، القابل لمثل هذا التفاعل الذي التقى فيه الأمازيغ بالعرب الوافدين من الأندلس والمشرق، وكذا بالأفارقة القادمين إليها من جنوب الصحراء، واليهود الذين أتوا من مناطق النزاع ووجدوا في المواطن المغربي قمة في التسامح وتجسيداً لروح الدين الوسطي المعتدل.
– طبيعة الشخصية المغربية التاريخية: وهي التي مكنت اليوم الفاعلين السياسيين والمجتمعيين داخل المجال السياسي العام، من إنجاح الميثاق السياسي والتعاقدي خلافاً لكل دول المنطقة، انطلاقاً من مبادئ التنازل والتوافق والثقة التي عليها نجاح الميثاق السياسي بين النخبة السياسية في الحكم والنخبة السياسية في المعارضة. وقاعدة التنازلات المتبادلة يجب أن تكون مقرونة بجهد فكري وميداني بل ورياضي يجعل كل الأطراف تعي حدود التنازلات وحساسية المجال التفاوضي السياسي. كما أن ذلك يستلزم ثقة متبادلة بين الأطراف ومخرجاً عقلانياً حتى تصبح المعادلة إيجابية، وإذا كانت سلبية فإن الآليات الديمقراطية تتلاشى وتتلوث… وبالنسبة للمخرج الإيجابي يجب على الأطراف أن تختار المعادلة التالية: النصر غير النهائي أو الجزئي (المكسب) للنخبة السياسية في المعارضة- الخسارة النسبية (المجازفة) للنخبة السياسية في الحكم، بدل المعادلة الأخرى: النصر المطلق أو الفوز الكامل (المكسب) للنخبة السياسية في المعارضة- الهزيمة المطلقة (المجازفة) للنخبة السياسية في الحكم وخاصة إذا كانت من الجيش كما وقع في تجربة الجزائر أواخر الثمانينيات.
وفي آخر هذا المطاف يؤدي الميثاق التعاقدي إلى استحكام هياكل الديمقراطية في حال المعادلة الإيجابية أو على العكس من ذلك إلى فشله في حال المعادلة السلبية (جزائر تسعينيات القرن الماضي) أو عدم وجودها بالأساس (حكم بن علي). والمغرب هو الدولة الوحيدة في المنطقة الذي طبقت بنجاح الميثاق السياسي وأحكمت بنجاح آلياته ونقلت المجال السياسي ومعه السلم الاجتماعي والحركية التوافقية إلى بر الأمان.
– ثم هناك الموقع الجيوستراتيجي للمغرب كدولة مغاربية وعربية تقع في شمال أفريقيا وبقيت لقرون صلة وصل بين ضفتي المتوسط وبين أوروبا وأفريقيا، فهو الذي نشر الإسلام في منطقة الساحل جنوب الصحراء عن طريق الزوايا، والعديد من دول أفريقيا اليوم تطرق باب التسامح والتكوين الدينيين المثاليين في المغرب، لتكوين أئمتها فوق التراب المغربي بما في ذلك دول مغاربية كتونس.
فهذه العوامل مجتمعة في نظري هي التي كونت الإنسان المغربي وطبعت قواعد الثقة والتسامح والتنازل في حياته اليومية، وهي التي أوصلت المجال السياسي إلى هو ما عليه اليوم من تقدم، والذي عليه مناط الاستقرار والثقة عند المستثمرين الدوليين.
“الاتحاد” الاماراتية