الرئيسية / وجهات نظر / المغرب: جدل الانتخابات الجهوية
f57d478f01118bf209358bcc40060bc4

المغرب: جدل الانتخابات الجهوية

هل تكون لوزارة الداخلية أم لرئاسة الحكومة في المغرب زاوية الرعاية، قبل أوان حشر الجدل حول الاستحقاقات الانتخابية؟ لا يبدو أن الجزء الظاهر من النقاش حول نمط الاقتراع وقوائم الناخبين والقوانين ذات الصلة، يعكس حقيقة الموقف. طالما أن الفرقاء في المعارضة والموالاة ارتضوا نتائج الاقتراع السابق، ولم يتذرعوا بأي من المؤاخذات الراهنة.
على رغم أن استحقاق عام 2011 حمل «العدالة والتنمية» الإسلامي إلى الصدارة في سابقة، فإن التطبيع مع المشهد السياسي فرض نفسه، إلى درجة أن حزباً مثل الاتحاد الاشتراكي الذي قاد تجربة التناوب اختار العودة إلى المعارضة، اعترافاً بإخفاقه. فيما سلك حليفه «الاستقلال» المنحى نفسه وغادر المقاعد الحكومية الوثيرة. وفي خلفية هذا التطور أن من يخوض المنافسات الانتخابية من موقع المعارضة تكون حظوظه أكبر.
مع أن انتخابات البلديات المرتقبة العام المقبل لا تنبثق منها غالبية حكومية، فإن الصراع يدور حول بسط النفوذ في تدبير الشؤون المحلية الأقرب إلى تطلعات الناخبين. ولأن البلاد مقبلة على تجربة التنظيم الجهوي الذي سينقلها إلى دائرة خفض صلاحيات السلطة المركزية، كان طبيعياً إثارة المزيد من الجدل حول آليات تأمين النزاهة والحياد والشفافية. ويفهم من التراشق بين الداخلية ورئاسة الحكومة أن المسألة لا تخرج عن نطاق محاولات كسب المواقع، لأن هذه الوزارة المعنية بتنظيم الانتخابات لوجيستياً على الأقل تقع بدورها تحت نفوذ رئيس الحكومة، وفي إمكانه في أي لحظة أن يحد من أي تصرف لا يراه منسجماً وروح الدستور. ولا حاجة لأن يتجاوز التأنيب أو العتب دائرة المجالس الحكومية.
عادة تشكو المعارضة غياب بعض شروط النزاهة، وليس الغالبية الحكومية التي تملك سلطة التوقيع على القرارات وتحريك الآليات. ومن أجل تلافي النواقص توضع القوانين التنظيمية والإجرائية وفق قاعدة الوفاق. أي من خلال حصول تفاهمات بين المعارضة والغالبية، تشمل كافة الضمانات. منذ سنوات انطبعت الانتخابات بنمط الاقتراع عبر القوائم، كونه يسمح للأحزاب الصغيرة من تأمين بعض الحضور. غير أنه ثبت أن الصيغة تشتت الأصوات وتخلق ما يعرف بـ «بلقنة الخرائط السياسية».
في ذات السياق تطرح مسألة التقطيع الانتخابي، ويبدو أن هذه أكثر أهمية في إقرار التنظيم الجهوي الموسع، لكن كيف يمكن لأزيد من سبعين محافظة أن تستوعب خياراً جهوياً لا تزيد مجالاته عن اثني عشرة جهة؟ وأي نوع من العلاقات ستربط المجالس الجهوية بالسلطة المركزية والمحافظات؟ هنا يرتدي الجدل قيمة إضافية، ولا تزال المسودة النهائية لهذا المشروع لم تطرح للنقاش بين الفاعليات السياسية والمركزيات النقابية ورجال الأعمال، من منطلق أبعادها الاقتصادية التي تشكل جوهر التحديات الراهنة.
عندما أقر المغرب دستوراً متطوراً، تزامن الاستفتاء حوله مع هبوب رياح الحراك الذي أطاح أنظمة وقلاعاً. قيل أن الوثيقة الدستورية تعاود خلخلة بنيات الدولة التقليدية، لناحية فصل السلطات ومنح الجهازين الحكومي والاشتراعي صلاحيات أوسع، ضمن حفظ استقلالية القضاء والارتقاء بدور المعارضة لتصبح شريكاً حقيقياً في ترسيم السياسة العامة.
أهمية هذا الخيار، أن قضية وحدة الدول باتت مطروحة على الصعيد العربي، في ظل الاسترخاء أمام نزعات التقسيم العرقي والطائفي والمذهبي. لكن أليس أجدى بناء مؤسسات محلية قوية، في إطار تعددية تصون الوحدة، بدل انتظار موجة البلقنة القادمة على صهوات الحروب والصراعات؟ النموذج يغري، لكنه غير قابل للتمثل خارج ترسيخ مقومات الاستقرار والأمن وغلبة التوجه الوحدوي داخل الدولة الواحدة.
جدل الانتخابات بدأ في المغرب سابقاً لأوانه. غير أن في إمكانه في حال التخلص من الخلفيات التي تطاول البحث عن النفوذ الحزبي، أن يعاود ترتيب عقارب الساعة على تحديات عصرية ومصيرية. والراجح أن الصراعات التي تدور على ضفاف صناديق الاقتراع أفضل من تلك التي تدور بالرماح والمقابر.
“الحياة”