الرئيسية / وجهات نظر / الانتخابات وانعدام الحريات
1dd4feb89d36beca1f0e8bcb73f775e1

الانتخابات وانعدام الحريات

أي قيمة لانتخابات تجري خارج التعبير الحر عن الإرادة؟ فالاستشارة الشعبية تجسد السيادة، عبر أنماط الاقتراع. وهي إما أن تكون مكتملة أو لا تكون. وإذا صادف أن قرار الذهاب إلى صناديق الاقتراع يحل بعض جوانب الإشكالات التي تعانيها ليبيا ما بعد إطاحة نظام العقيد القذافي، فإن هذه الوصفة السحرية تتأثر بالبيئة التي تحيط بها.
من دون تردد يبقى الصراع الانتخابي، مهما احتدمت معالمه، أقل عنفاً من استخدام السلاح. غير أن العملية الانتخابية لا تعدو أن تكون وسيلة في أفق ما تتيحه الممارسات الديموقراطية من منافسات. ولا يمكن أي منافسات أن تعكس الميول الحقيقية لاختيارات الناخبين، في حال سيادة الخوف أو الفوضى أو الجهل، أو تدليس الإرادة الشعبية. وبالتالي فالسلم الأهلي مطلوب كمنطلق أساسي لمعرفة اتجاهات الرأي العام.‬
لا تكون الانتخابات حلاً إلا عند تلازمها مع الشروط الموضوعية في التعبير عن الإرادة. فالرئاسيات التي أدت إلى «فوز» بشار الأسد، لم تخلُ من شروط المنافسة فقط، بل فقدت مرجعية الحرية، ولا يطلب من السكان الذين تنهمر البراميل المتفجرة على رؤوسهم، أن يكونوا أحراراً في التعبير عن الإرادة. كما أن النزعات الطائفية والمذهبية، حين تسيطر على المشهد السياسي، يصعب عليها أن تتيح للناخبين القيام بواجبهم، كونهم يدركون سلفاً أن الغلبة تقررت بوازع طائفي أو مذهبي.
دعوة الفرقاء الليبيين المتناحرين إلى وقف القتال خلال فترة الانتخابات، تشكل مدخلاً إيجابياً. لكن كيف السبيل لتحرير عقول الناخبين من الضغوط التي يعانون من مضاعفاتها في حياتهم اليومية. وإذا كان المؤتمر الوطني لم يسلم من هجمات، ورموز السلطة التنفيذية يتعرضون للتهديدات، وقادة الجيش الوطني يواجهون الاغتيالات الانتحارية، فمن أين لعموم المواطنين الاطمئنان إلى أن في إمكانهم أن يختاروا ممثليهم بكل حرية، وهم يعاينون الفوضى الكاسحة التي ينعدم فيها التمييز؟
كم من جولة انتخابية عرفها العراق بأمل أن تقوي بنيان الدولة. وفي لحظة الحسم بدت عاجزة عن صد تمدد المتشددين الزاحفين تحت راية سوداء. كونها فوتت فرص العمليات السياسية التي لم تخلصها من تداعيات التناحرات الطائفية. في العادة، إن تجارب الدفاع عن سيادة ووحدة الدول، تلغي مختلف الحساسيات والحزازات، لأن الأمر يتعلق بالدفاع عن وجود لا يستثني أي طرف. وعندما تتغير هذه القاعدة، فذاك دليل إضافي على أن الأشياء لا تسير في الاتجاه الصحيح.
لا يوجد موقف وسط في إدانة واستنكار التطرف، خاصة أنه يتقاطع مع مشروع تقسيم دولة العراق إلى كيانات هشة، أي أن مخاطره تجمع بين التطرف والإجهاز على وحدة البلاد. وإذا كان هناك من سيستفيد مرحليا على الأقل من هذا التمدد الخطر الذي يهدد المنطقة برمتها، فهو باقي الحركات المسلحة المتشددة التي سترى في مأساة العراق متنفسا ومكسبا كبيرين، يشجعان على التمادي في فوضى السلاح وغياب الاستقرار. وكما فتحت بعض التجارب السياسية عيون الحركات المتطرفة على استخدام التشنج والانغلاق الفكري لأهداف سياسية، فقد تلجأ تنظيمات موازية لهذا التوجه لاستخدام ورقة العراق مؤشرا للمغامرة. ما يحيل على رصد المواقف الداخلية والخارجية في مواجهة أخطر مؤامرة يتعرض لها العراق وغيره، من دون إغفال أن بعض الأخطاء تحتم دفع فاتورة باهظة الكلفة.
“الحياة” اللندنية