الرئيسية / وجهات نظر / الدولة الأب وفوبيا الخبز!
آمال موسى

الدولة الأب وفوبيا الخبز!

إذا كانت النخب الفكرّية والثقافّية تناضل من أجل الحرية الفكرية٬ وتتبنى الميثاق العالمي لحقوق الإنسان٬ من خلال رؤية كونية تتعارض مع خطاب الخصوصية الثقافية للحضارة العربية الإسلامية بشكل عام٬ فإن هاجس الشعوب يتصل بالأساس بالكرامة المادية وبلقمة العيش٬ وبتأمين الخبز ومستلزمات الحياة اليومّية.
هناك قراءات تحاول التقليل من شأن الدوافع المادية للانتفاضات والاحتجاجات في العالم العربي٬ وتقوم ­ هذه القراءات ­ بإيثار تفسيرات٬ تتعلق بالمشاركة السياسية والحريات الفردّية والعاّمة.
ولكن في الحقيقة٬ فإن القراءة الموضوعية٬ قد تنتهي بنا إلى استنتاجات مختلفة. ولعل الثورة التونسية خير مثال على ما ذهبنا إليه؛ ذلك أن الدافع الاقتصادي٬ كان من أهم الأسباب المباشرة وغير المباشرة التي أنتجت ثورة 14 يناير 2011.
فالشباب التونسي ثار من أجل حق الشغل٬ واحتجاًجا على البطالة وانسداد الأفق الاقتصادي٬ والمشكلة أن النخب الحقوقية والسياسية٬ التي تتالت على الحكم والحراك المدني٬ أسقطت من اعتباراتها هذه النقطة المفصلية٬ وانشغلت بمسائل أخرى مهمة كالدستور الجديد وتوسيع الحريات… وكأن الثورة اندلعت فقط وأولاً من أجل مطالب حقوقية سياسية في المقام الأول.
طبًعا نحن لا نهمش أهمية المكاسب التي تحققت خلال السنوات الخمس الأخيرة لما بعد الثورة٬ ولكن فقطُنذكر بأن السبب الأقوى الذي من أجله حصلت الثورة لم يلَق المعالجة٬ وهو ما يعني أن صفحة الثورة لم تطَو بعد.
ولعل الاحتجاجات التي عرفتها مدن تونسية عّدة مؤخًرا وكانت محل أنظار العالم٬ تؤكد هذه القراءة؛ ذلك أن الجهات المهمشة اقتصادًيا٬ هي التي شملتها الاحتجاجات٬ فالشعوب يحركها الخبز أولاً وأساًسا٬ والواقع هو الذي يجعلنا نذعن رغًما عنا لواقعية التحليل المادي للاحتجاجات الشعبية٬ خصوًصا في دول العالم الثالث٬ التي لم تحسم معركتها التنموية بعد ولا تزال مترددة في خياراتها وتعيش شعوبها انفصاًما قْيمًيا وقَيمًيا.

إقرأ أيضا: تونس..اتهامات للسبسي بالهروب للأمام والتملص من الفشل الحكومي

إذن٬ كان لا بّد من مرور خمس سنوات حتى نقتنع بأهمية المعطى الاقتصادي٬ وتحديًدا معضلة التشغيل في حصول الثورة التونسّية والمصرية أيًضا. فالمعطلون عن العمل هم مواطنون دون مصالح ولا يشعرون بالاستقرار٬ وهم في حالة انشقاق اجتماعي بجعلهم على استعداد دائم للاحتجاج بحًثا عن الاعتراف في الحق في الخبز والحصول على مورد رزق.
والمشكلة أن النخب السياسية الحاكمة في تونس لم تستطع مجابهة غول البطالة٬ خصوًصا أن الأرقام في ازدياد٬ وفي كل عام يدخل معطلون جدد عن العمل.
وفي الحقيقة ما يجعل من هذا الغول يزداد رعًبا مع مرور الوقت٬ هو عدم الاحتكام إلى رؤية واضحة وشجاعة في ملف التشغيل. كما أن انخراط الدولة في سياسة الحلول المؤقتة قد زاد الطين بلة٬ من دون أن ننسى ما تعانيه قطاعات أخرى في مجال السياحة من أزمات تتصل بتداعيات الأحداث الإرهابية٬ وأيًضا التكلفة المالية الباهظة للاحتجاجات ولقرار حظر التجول.
تحتاج تونس إلى تحديد استراتيجية وسن قوانين اقتصادية واضحة وجريئة في أقرب وقت ممكن٬ لأن أسباب الثورة ما زالت قائمة٬ إذا لم تتضاعف أكثر مما كانت عليه٬ مقارنة بلحظة اندلاع الثورة.
وإذ نركز على ضرورة وضع خطة واضحة وواثقة٬ فلأن الاستمرار في سياسة المعالجة اليومية للمشكلات الاقتصادية الكبرى من دون مخطط مدروس٬ قد
أثبت فشله.
كما أن تونس قادرة على مجابهة معضلة التشغيل بنجاح كبير لو تنخرط في التشجيع الحقيقي للاستثمار٬ والقضاء نهائًيا على البيروقراطية٬ التي تنفر أصحاب رؤوس الأموال وتهدر حماستهم لإقامة المشاريع وتشغيل اليد العاملة والكفاءات.
فالقطاع الخاص في تونس لا يزال هًشا وغير قادر على إشباع توقعات الشباب التونسي المعطل على العمل٬ والظاهر أن فشل القطاع الخاص يعود إلى عدم مرونة آليات الاستثمار في تونس.
لا حل لتونس ولدولنا العربية بشكل عام إلا في تشجيع القطاع الخاص٬ لأن مفهومي الدولة الأب والدولة الأم٬ قد انتهيا ليحل محلهما مفهوم الدولة المؤطرة للحياة الاقتصادية.
إن درس تونس٬ يؤكد للجميع أن مشكلة البطالة ستظل كالنار تحت الرماد٬ التي يكفي أن تندلع أي شرارة ذات علاقة بالتشغيل والبطالة٬ حتى تنفجر الاحتجاجات وكأن المعطلين في استعداد للاحتجاج وللتعبير عن الغضب.
ولا يخفى على أحد أن تعمق مشكلة البطالة أصبح أكثر من أي وقت مضى في حاجة إلى إيجاد حلول تخفف من نسبة المعطلين عن العمل. وتتضاعف ضرورة معالجة مشكلة البطالة اليوم لاعتبارات كثيرة تتجاوز البعد الاجتماعي الاقتصادي لتشمل مسألة اصطياد الجماعات الإرهابية في مياه البطالة العكرة٬ حيث إن استهداف الشباب وتجييشه٬ عادة ما يتم من خلال توظيف الوضع الاقتصادي للشباب المعطلين عن العمل٬ واستثمار ما يعرفه من انشقاق في العلاقة مع الدولة والمجتمع.
يبدو لنا أن الرهان اليوم هو التقليص من ظاهرة البطالة٬ وإعمال العقل الاقتصادي٬ والاجتهاد والتعود على التأطير بديلاً عن التحكم في كل شيء٬ إذ لا مستقبل لسياسة «الدولنة» الشاملة٬ وهو رهان لا يخص تونس فقط.

كاتبة وشاعرة تونسية/”الشرق الأوسط”