الرئيسية / وجهات نظر / انتخابات عربية بحثاً عن انتقال ديموقراطي
3e72a83548240993e58cc2ae191bc4e6

انتخابات عربية بحثاً عن انتقال ديموقراطي

خلال الأسابيع الماضية، بين منتصف شهر نيسان (أبريل) وبداية شهر حزيران (يونيو)، عقدت خمس دول عربية، هي الجزائر والعراق ومصر ولبنان وسورية، جولات انتخابية من دون أن تدل هذه المناسبات الانتخابية على انتقال فعلي نحو الديموقراطية.
في 17 نيسان، أجرت الجزائر انتخابات رئاسية. وكان المرشّح الأساسي فيها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، الذي سبق أن حكم لثلاث ولايات رئاسية، والذي أدلى بصوته من على كرسيه المتحرّك، والذي كان مريضاً جداً حتّى أنه بدا عاجزاً عن إنهاء خطاب تنصيبه، والمؤسف أنه على رغم ذلك يبدو أن النظام لم يجد مرشّحاً أنسب منه لخوض معركة الرئاسة الأولى. وحقق بوتفليقة فوزاً ساحقاً وحصد 82 في المئة من أصوات الناخبين. ويشار إلى أنّ سبب تجنّب الجزائر اندلاع ثورات شبيهة بالربيع العربي يعود جزئياً إلى عدم زوال الحرب الأهلية من الذاكرة، التي ساهم بوتفليقة في إنهائها، وإلى إيرادات النفط الهائلة، وإلى النموذج السلبي الذي وفّرته بعض الدول العربية التي شهدت انتفاضات، على غرار ليبيا وسورية. إلا أنّ الجزائر تعاني من نسب بطالة مرتفعة ومن قمع النظام وتشهد استياءً واسع النطاق في صفوف الشباب. يزعم أشخاص من داخل النظام أنهم يحاولون إعداد عملية انتقالية داخلية، من خلال تعيين رئيس وزراء أو نائب لبوتفليقة يكون وريثاً للسلطة. ولكن لن تكون هذه عملية انتقالية نحو الإصلاح أو الديموقراطية، بل بالأحرى خلافة وراثية واستمراراً أو تجديداً للنظام السلطوي. وإن لم ينظر النظام الجزائري بجدّية إلى ضرورة الإصلاح باتجاه نظام سياسي يعطي مساحة فعلية للمشاركة والمساءلة، فمن المحتمل أن تسير الجزائر مع الوقت باتّجاه تدهور أو انفجار سياسيّ.
في 30 نيسان، أجرى العراق انتخابات برلمانية. بعد مرور إحدى عشرة سنة على انهيار النظام الديكتاتوري الذي أرساه صدام حسين وانقضاء سنتين ونصف السنة على انسحاب القوات الأميركية، لا يزال العراق على شفير التشرذم. وما سقوط الموصل وتكريت في أيدي مقاتلي تنظيم «داعش» إلا آخر دليل على ذلك. فبدلاً من تعزيز الديموقراطية، استغل رئيس الوزراء نوري المالكي الانسحاب الأميركي والقوى المسلحة الكبيرة التي ساهم الأميركيون في بنائها، لتركيز السلطة بين يديه من موقعه كرئيس للوزراء ووزير للدفاع ووزير للداخلية وقائد للقوات المسلحة. إلى ذلك، سارع إلى استبعاد شركائه في الوطن من الأكراد والسنّة. فالأكراد يفكّرون علناً في الانشقاق، فيما فتح استياء السنّة الأبواب أمام «داعش» والتنظيمات المتطرفة. وعلى الرغم من فوز المالكي بأكبر كتلة برلمانية في الانتخابات، إلا أنه يقود العراق ليس إلى الديموقراطية بل إلى الحرب الأهلية والتفكك. إن الخلاص الوحيد للعراق هو بتشكيل حكومة وحدة وطنية. إذا لم يرد المالكي ذلك فعلى القيادات الشيعية السياسية والروحية أن تتقدم، في هذا المنعطف التاريخي الخطير، بمرشح آخر لرئاسة الحكومة بوسعه تشكيل هكذا ائتلاف وقيادته. وفي حال لم يتمّ استبدال المالكي أو في حال لم يغيّر سياساته بشكل جذري، قد تكون هذه الانتخابات الأخيرة التي ستُعقد في عراق موحّد.
جرت في مصر انتخابات رئاسية في 26 و27 أيار (مايو) الماضي، ونظراً إلى الإقبال الخفيف عليها، تمّ تمديد فترة الانتخاب ليوم ثالث. وحسب النتائج الرسمية حصل وزير الدفاع السابق عبد الفتاح السيسي على أكثرية ساحقة من الأصوات. أيّد عدد كبير من المصريين السيسي لدوره في إطاحة الرئيس محمد مرسي وحكم «الإخوان المسلمين»، ويأملون منه أن يعيد الأمن والاستقرار إلى البلاد وأن يحرك عجلة الحياة الاقتصادية، بينما يعارضه البعض الآخر. إلا أنّ مصر اليوم تسير على طريق تشوبه التناقضات، حيث إنّ خريطة الطريق التي أعلنتها الحكومة الانتقالية السابقة، والدستور الجديد الذي تمّت المصادقة عليه في كانون الثاني (يناير) من هذا العام، وعدا بعودة سريعة إلى الديموقراطية، إلا أنّ الحملة المعلنة ضد جماعة «الإخوان المسلمين» تطورت إلى جولة قمع واسعة النطاق. ويقول السيسي إنّه لا تمكن العودة إلى نمط الحكم الذي كان قائماً قبل العام 2011. بيد أنّ عدداً كبيراً من مؤسسات الدولة ومن عناصر نظام مبارك السابق، يراهنون على أنّ العودة إلى هذا النمط ممكنة،وهي تحصل حالياً، وإن لم يعمل الرئيس السيسي على إرساء مسار من شأنه الجمع بين الأمن والمواطنة ووضع رؤية سياسية واقتصادية لمصر تكون مختلفة عن تلك التي كانت قائمة قبل العام 2011، قد تشهد مصر من جديد اضطرابات اجتماعية واقتصادية وسياسية.
أما في لبنان، فأسبوعاً تلو أسبوع يحاول مجلس النوّاب انتخاب رئيس للجمهورية، وحتى الآن باءت هذه المحاولات كافة بالفشل، فيما أصبح منصب الرئاسة شاغراً منذ 25 أيار. وعلى رغم أنّ منصب الرئيس خسر عدداً من سلطاته التنفيذية عقب التغيرات الدستورية التي كرّسها اتفاق الطائف، لا تزال الرئاسة مؤسسة أساسية تساهم في الحفاظ على الوحدة الوطنية وعلى النظام الدستوري. وعلى رغم أنّ النظام اللبناني يوفّر قدراً من الاستقرار وهامشاً كبيراً من الحرية لمواطنيه، إلا أنّه لا يزال يعتمد على حكم طبقة سياسية غارقة في وحول الطائفية والفساد ويعاني من مواقع خلل عديدة. من الواضح أنّ لبنان لم يشهد انتقالاً نحو الديموقراطية الكاملة على مدى نحو قرن، فهو يحظى بمؤسسات ديموقراطية قائمة منذ زمن طويل إلا أنّ النظام ساهم في تعميق الانقسامات الطائفية وفي إدامتها. ويطالب الإصلاحيون منذ خمسينات القرن الماضي بتطبيق مجموعة من الإصلاحات تخفف من وطأة الطائفية وتعزز التمثيل والمساءلة، وجاء اتفاق الطائف عام 1989 وأكد على ضرورة تشكيل هيئة وطنية لوضع خطة تدريجية لتخطي الطائفية السياسية. ولكن بعد مرور 25 عاماً على هذا الاتفاق، يبدو النظام أكثر طائفية من أي وقت مضى. وسواء اتفقت القيادات الطائفية التي تهيمن على النظام اللبناني على مرشح لملء منصب الرئاسة أم لا، من الواضح أنّ النخبة الحاكمة في لبنان لا تُظهر أيّ نيّة لإجراء أيّ إصلاح سياسي أو اقتصادي- اجتماعي يتّسم بالجدّية.
أما أكثر الانتخابات العربية إثارة للسخط وللحزن، فتلك التي جرت في 3 حزيران، إذ إن فوز الرئيس بشار الأسد بولاية ثالثة سيعمّق الانقسامات الوطنية التي نشأت خلال ولايته الثانية ويمدّ عمر الحرب الأهلية الشرسة التي دمرت سورية التي نعرف ونحب وقتلت شعبها وشرّدته. كم من الوقت ستحتاج سورية للتخلّص من الكابوس الذي تعيشه ولإيجاد طريق نحو التعايش وبناء مؤسسات وطنية قائمة على تمثيل الشعب واحترام حقوقه؟ نأمل في أن يقاس هذا الوقت بالسنوات وليس بالعقود، لكنّ المسار الذي سلكه لبنان في السابق والعراق اليوم يدل على أنّ العملية ستكون طويلة ومؤلمة.
بعد ثلاث سنوات على اندلاع الانتفاضات العربية التي حملت الأمل للعالم العربي، يبدو المشهد اليوم مقلقاً جداً، فالانتفاضات لم تستكمل بانتقال إلى الديموقراطية، ولم تثبّت القيم المدنية ولا المؤسسات الراعية لممارسة الشعوب حقوقها السياسية، بل تتخبط الدول العربية في صراعات ومواجهات مدمرة تهدر الفرص السياسية والاقتصادية وتعمّق معاناة المواطن العربي الذي طالب بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ولكنه يجد مجتمعاته لا تزال تغرق في السلطوية والانقسام وإعادة بناء منظومات الفساد وعدم المساواة. ولكن تدل تجارب دول العالم على أن مسارات التحول الديموقراطي طويلة وأن مسيرة مطالبة أي شعب بحقوقه هي مسيرة الألف الميل. كانت الخطوات الأولى في السنوات الثلاث الماضية خطوات جبارة، ولا بد أن تليها خطوات جبارة أخرى، ولا بد في النهاية من أن تتحقق إرادة الشعوب في حياة سياسية كريمة واقتصادية عادلة.
“الحياة” اللندنية