الرئيسية / وجهات نظر / حالة ليبيا وسؤالها
67b87ab893d8db126f6fbdafd2de8fb7

حالة ليبيا وسؤالها

يبدو أنّ العراق، بعد استيلاء داعش على الموصل، سبق ليبيا في التفتّت والانهيار. لا بل ثمّة من يراهن على أنّ ليبيا باشرت الخروج من أزمتها العميقة التي كان أحد تعبيراتها قيام حكومتين. والبرهان لدى المراهنين هؤلاء هو إعلان المحكمة العليا أنّ انتخاب أحمد معيتيق رئيساً للوزراء “غير دستوريّ”، وهو الحكم الذي قبله معيتيق و”المؤتمر الوطنيّ العام”.
وفعلاً ما إن صدر الإعلان المذكور حتّى عقد معيتيق مؤتمراً صحافيّاً اعتبر فيه هذا التطوّر “من أهم مكتسبات بناء دولة القانون والمؤسّسات”.
لكنْ لا يزال يبدو من التسرّع أو من التفاؤل التعامل مع المشكلة الليبيّة انطلاقاً من نتائجها، أي وجود الحكومتين، وتجاهل الجذور العميقة لتلك المشكلة.
فقد باتت ليبيا، بفوضاها الهائلة ودمويّة صراعاتها والمصاعب التي تعترض قيام حكومة مركزيّة فيها، حالة شديدة النفور في بلدان “الربيع العربيّ” وثوراته. وإذا كان البعد الإقليميّ للنزاع في سوريّا، بما سجّله من تدخّلات خارجيّة، قد اضطلع بتأزيم الأمور هناك، صابغاً الثورة بصبغته، فهذا ما يصعب قوله عن ليبيا التي تكفّلت تناقضاتها الداخليّة بدفع الأمور إلى البشاعة التي اندفعت إليها.
مع هذا، ومن دون أيّ تقليل من الدور السلبيّ الذي قد يؤدّيه استمرار التدهور في سوريّا، بما في ذلك احتمال تعفين منطقة المشرق العربيّ برمّتها، فإنّ نتائج الفوضى الليبيّة قد لا تقلّ عن ذلك خطراً. فالسلاح المتجمّع في ليبيا يشقّ طريقه إلى تونس ومصر وتشاد ومالي، وربّما إلى بلدان مجاورة أخرى تعجّ بالكثير من التناقضات التي لا ينقصها إلاّ السلاح للاشتعال. ومع السلاح، هناك تدفّق الإرهابيّين والمتطرّفين على أنواعهم، لا سيّما في ظلّ السيولة السكّانيّة والحدوديّة في الأطراف حيث يسهل الانتقال المكانيّ بقدر ما تزدوج الولاءات والانتماءات في ظلّ القرابات الدمويّة والقَبَليّة العابرة للحدود. وهذا كلّه معطوف على القرب الجغرافيّ من أوروبا، عبر البحر الأبيض المتوسّط، والذي يحوّل الأمن الليبيّ إلى هاجس غربيّ وعالميّ مباشر.
لكنْ ما الذي اجتمع في الوضع الليبيّ ليجعل الأمور على ما هي عليه حاليّاً؟
ثمّة من يتوقّفون عند الانسحاب الأطلسيّ السريع بعد توجيه الضربات التي تكفّلت بإطاحة العقيد معمّر القذّافي ونظامه، محمّلين هذا الانسحاب مسؤوليّة ما حلّ، ويحلّ، بالليبيّين. إلاّ أنّ وجهة النظر هذه تبقى أقرب إلى رأي تقنيّ يرفع المسؤوليّة عن الليبيّين وينيط بالأطلسيّين وحدهم المسؤوليّة الدائمة عن ليبيا وشعبها. وربّما استُشهد هنا بالتجربة العراقيّة بعد إسقاط صدّام حسين في 2003، حيث لم تحل الإقامة الطويلة للقوّات الأمريكيّة في العراق دون انفجار وضعه على النحو الدامي والكارثيّ الذي نراه اليوم. وهذا لا يلغي أنّ البقاء، في الحالتين العراقيّة والليبيّة، أفضل من الانسحاب السريع، غير أنّ البقاء ليس العلاج الناجع الذي يُغني عن حلول داخليّة يجترحها أبناء البلدان المعنيّة أنفسهم، ناهيك عن أنّ الطرف الغربيّ المتدخّل محكوم، في آخر المطاف، باعتباراته وبقدراته الذاتيّة وبرأيه العامّ ممّا لا يمكن التأثير فيه.
لقد التقت في الوضع الليبيّ أسباب ثلاثة على الأقلّ كان لاجتماعها أنّ حوّل ذاك البلد إلى الجحيم الذي نراه اليوم: فهناك، أوّلاً، مشكلة مناطقيّة مزمنة وشعور بالقهر الذي يطال سكّان بنغازي والشرق، وبالتهميش الذي يضرب أهل الجنوب والصحراء، بنتيجة تفاوت في النموّ التاريخيّ توّجته الفئويّة التي مثّلها نظام القذّافي لصالح المناطق الغربيّة.
وهناك، ثانياً، حكم قذّافيّ مديد، يرقى إلى انقلاب الفاتح من سبتمبر 1969، وهو ما لم يؤسّس أيّ إجماع وطنيّ، بل، بالعكس، عمّق التناقضات الداخليّة وكبتها بما فيها الولاءات القبليّة والجهويّة الكثيرة.
وهناك، ثالثاً وأخيراً، اقتصاد نفط وغاز ريعيّ لم يخلق إنتاجاً ولا قيماً يُعوّل عليها كرافعة لوحدة وطنيّة على قاعدة المصالح، أو لتغيير وطنيّ يشارك فيه الجميع. وهذا ناهيك عن تبديد الكثير من تلك الثروة تلبية لطموحات القذّافي الشخصيّة والإمبراطوريّة البائسة.
وعلى عمومه، يحضّ الوضع الراهن على النظر إلى المشكلة الليبيّة لا بوصفها مشكلة تقنيّة تُعالَج بتغيير الحكومات، أو بالانقلاب العسكريّ، بل بوصفها مشكلة اجتماع سياسيّ صبّ فيها عديد العوامل التي وضعتها في خانة الاستعصاء، وربّما الاستحالة. وهذا ما يلحّ على طرح تلك المشكلة وطبيعة إطارها الناظم، تماماً كما الأمر في العراق وسوريّا وبلدان عربيّة أخرى.