الرئيسية / وجهات نظر / مسار الانتقال الديمقراطي في دول الربيع العربي
نور الدين الميلادي

مسار الانتقال الديمقراطي في دول الربيع العربي

مثّلت التغييرات السياسية والاجتماعية التي عصفت ببعض الدول العربية منذ اندلاع الثورة التونسية يوم 14 يناير/كانون الثاني 2011 مرحلة تاريخية فاصلة في تاريخ بعض دول المنطقة مثل تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا. هذه النّقلة التي كان مؤمّلا أن تفتح فصلا جديدا من تاريخ هذه الدول عنوانه الديمقراطية والحرية واحترام حقوق الانسان والتداول على السلطة، تبيّن أن لها أبعادا مختلفة تماما.
إذ بعد خمس سنوات من اندلاع شرارة أولى الثورات في تونس، صار جليّا أنّها ليست كما ظنّ الكثير وبالخصوص الشعوب المقهورة في تلك الدول والتي عانت عقودا من القهر والتهميش.
فما هو واضح حتى الآن أن الأحداث السياسية والاجتماعية التي تموج بها تلك الدول، هي في واقع الأمر بداية لمخاض طويل، وفي بعضها واقع تقسيم وإعادة تشكيل لبلدان بأكملها سوف تمرّ به منطقة العالم العربي ويمكن أن يستمر لعقود طويلة. هذه الخطط التي تتوضح معالمها يوما بعد يوم ليست وليدة اللحظة، بل هي مسطّرة من طرف قوى دولية وإقليمية منذ زمن.
في خضم هذه الأحداث وبعد السنوات الخمس الماضية والحبلى بالأهوال التي حلت ببعض هذه الدول، من المهم أن نرصد بعض الاستنتاجات لما بات واضحا من معوقات في طريق تحوّل هذه الثورات إلى مشاريع إرساء مسار ديمقراطي سلمي تنعم به تلك الدول، ومن ذلك:
أولا- أصبح جليا بما لا يدع مجالا للشك أن قوى مختلفة محلية وإقليمية ودولية قد وقفت وستبقى تقف سدّا حائلا ضد نجاح أي تجربة ديمقراطية في البلدان المذكورة آنفا، خاصة حينما يتصدّر سدّة الحكم حركات الإسلام السياسي المعتدل، حتى لو اشتركت في السلطة مع أحزاب قوميّة أو ليبرالية.
فالتحديات الجسام التي مرّت بها حكومة الترويكا في تونس مثلا بقيادة حزب حركة النهضة والمؤتمر من أجل الجمهورية بالإضافة إلى التكتّل من أجل العمل والحريات، لم تترك مجالا لإفشال أول تجربة ديمقراطية والإيذان بإجراء انتخابات جديدة تمهّد لعودة ماكينة النظام القديم إلى الحكم، ولكن هذه المرة عن طريق صندوق الاقتراع، في عمليّة بدا أنّها حرّة ونزيهة.
وكذلك فإن التحديات الهائلة التي واجهتها حكومة الرئيس محمد مرسي في مصر والمؤامرات الداخلية والخارجية، كانت كافية لوأد أول تجربة حكم لجماعة الإخوان منذ تأسيسها بعد نحو قرن من النضال الاجتماعي والسياسي.
وللإشارة فإن الاستثناء التونسي الذي تدعمه قولا بعض الدول المتنفذة في السياسة الدولية، كان نتاجا لتخلّي حركة النهضة عن السلطة قسرا والتراجع التّام عن مواقع القرار وعن تزعّم المشهد السياسي، حتى بعد فوزها الكاسح في أول انتخابات ديمقراطية تشهدها البلاد يوم 23 أكتوبر/تشرين الأول 2011، لأن البديل كان إزاحتها بالقوّة وجرّ الجميع إلى النموذج المصري أو السوري أو اليمني، أي حرب أهليّة يطال لهيبها الجميع.
ثانيا- ولأن استقرار النظام الديمقراطي في هذه الدول يأذن ببداية دورة حضارية جديدة عنوانها عودة العرب والمسلمين إلى دورهم الريادي والتاريخي في البناء الحضاري، فإن قوى خارجية وبتواطؤ محلي وإقليمي ستكبح أيّ استقرار اجتماعي أو تطوّر يمكن أن يؤدي إلى الانعتاق من التبعية للغرب.
والمطلوب هو عرقلة أي نوع من أنواع التطوّر لهذه المنطقة وتأجيل التحاقها بالركب الحضاري، وذلك بإدخالها في حروب داخلية وصراعات تأكل الأخضر واليابس. وهذا التطاحن الداخلي مخطّط له أن يدمّر ليس فقط البنى التحتية من جسور وإعمار، ولكن أيضا مؤسسات الدولة كالمنشآت الاقتصادية والأمنية والعسكرية، بالإضافة إلى الإرث الحضاري والعلمي والتاريخي كالمتاحف والمكتبات والمؤسسات التراثية.

إقرأ أيضا: كيف سيقرأ التاريخ {الربيع العربي}؟

إذ ما تمّ تدميره خلال الحرب على العراق والحرب السورية وما يجري حاليا في اليمن هو دمار حضارة إنسانية عمرها مئات بل آلاف السنين. ويبدو أن قوى الثورات المضادة الداخلية والخارجية قد نجحت في ذلك إلى حد كبير، وباتت تتناوب في كيفية تنفيذ هذا الدور بأشكال مختلفة.
فلا معنى مثلا للسكوت عن الجرائم التي يقترفها نظام بشار الأسد خلال السنوات الخمس الماضية من قصف شعبه بالبراميل المتفجّرة وقبل ذلك بالأسلحة الكيميائية والدمار الهائل لمقدرات الدولة السورية، في الوقت الذي يتفرّج فيه “العالم المتحضّر” على هذه المأساة الإنسانية دون حراك يذكر عدا إغاثة اللاجئين.
ولا معنى للتعامل السلبي مع هذه الكارثة من طرف الهيئات الدولية مثل الأمم المتحدة، فالتدخل السوري والإيراني مثلا في قمع الشعب السوري ومساندة نظام مستبد، لا يوجد له تبرير في القانون الدولي. والأدهى من ذلك أنّ “العالم المتحضّر” مكتوف الأيدي كمن يتفرّج على أحد أفلام الرّعب الواقعية التي قتل فيها إلى حد الآن ما يزيد على 300 ألف شخص، واضطرّ الملايين إلى الهجرة القسرية هربا من الفناء. هذا المسلسل التدميري للإنسان والحضارة في سوريا كان بالإمكان إيقافه بالتدخل العاجل منذ السنة الأولى للثورة السورية، لو توفّرت الإرادة الدولية المناسبة.
ثالثا- تفاجأت القوى الديمقراطية -ومن ضمنها الإسلامية- بسرعة الوصول إلى هرم السلطة في تونس ومصر عن طريق صناديق الاقتراع بعد عقود من الإقصاء. لذلك تبيّن في غمار ممارسة الحكم القصيرة الغياب الواضح لمشروع الدولة المدنية الحديثة الذي طالما نادت به حركات الإسلام السياسي المعتدل في صراعها الأيدولوجي مع الحركات القومية واليسارية وفي مواجهتها الطويلة للدكتاتورية.
فقد اتضح أن ما كان يصدر من الكثير من الأدبيات لهذه الأحزاب والحركات من شعارات حول الشورى كأداة لاتخاذ القرار، والبديل الاقتصادي الإسلامي كبديل للنظام الرأسمالي المتوحش أو النظام الشيوعي المنغلق ومختلف البدائل الأخرى، ليست سوى شعارات حماسية تأكّد عدم نضجها كمنظومة حكم متكاملة يمكن تنزيلها على الواقع المعقّد في إدارة الدولة للقرن الواحد والعشرين.
وهذا العجز لا يعبّر عن افتقار للمرجعية الاسلامية وتراكم لتجربة الحكم منذ عصر الخلافة الراشدة، وصولا إلى الدولة العثمانية والتجارب الحديثة مثل تركيا وماليزيا، ناهيك عن النماذج الغربية الليبرالية المختلفة في إدارة السلطة بقدر ما يعبّر عن عدم قدرة تلك الحركات على استصحاب مآثر الماضي لصناعة الحاضر والإدارة الإستراتيجية الواعية للمستقبل.
رابعا- أصاب الكثير من المراقبين صدمة بل ودهشة لضعف الأداء في إدارة الدولة والذي تجسّد خلال تجربة حكم الترويكا في تونس وتجربة حكم الإخوان المسلمين في مصر ومن حلّ محلّهم، إذ الملاحظ لفترة إدارة السلطة التي كانت كافية للوصول إلى هذا الاستنتاج، أنّ الكمّ الهائل من الأخطاء وفي بعض الأحيان التجاوزات التي شابت سياسات السلطة، كانت كافية لإفشال تجربتها.
وذلك بداية من الولاءات في توزيع المناصب وعدم اعتماد الكفاءة معيارا، ثمّ استبعاد الكفاءات المهنية والعلمية في شتى المجالات من مواقع القرار، وضعف الأداء في شتى المجالات سواء تعلّق ذلك بالمجال الاقتصادي أو الإعلامي أو التعليمي أو الثقافي.
فلم يكن خافيا أن حزب حركة النهضة مثلا لم يبذل جهدا كافيا خلال فترة تولّيه السلطة في رصد الكفاءات الوطنية على مستوى القطاعات المختلفة ودعم انخراطها في بناء تونس الحديثة. بل إن الحزب عجز عن الاستفادة حتى من السّواد الأعظم من كوادره والمتعاطفين معه في الداخل والخارج في التخطيط والإدارة الماهرة للشأن السياسي خلال فترة حكمه، وبالتّالي غاب عن العديد من الشخصيات التي تولّت مقاليد السّلطة معرفة خبايا الدولة والدواليب العميقة للإدارة التونسية، ثم التجربة العملية في إدارة المؤسّسات ناهيك عن إدارة الوزارات.
والمحصّلة أن تجربة السلطة في تونس خلال السنوات الخمس الماضية كانت بمثابة حقل تجارب على قاعدة سدّدوا وقاربوا، تدرّبت في ثناياها قيادات في الصف الأول وبعض من الصف الثاني على إدارة السلطة ليس إلاّ.
ولا شك في أن المرحلة الحالية ضرورية لكل القوى الديمقراطية كي تعتكف على تقييم أدائها لتجربة الحكم خلال السنوات الخمس الماضية، بما يعني الوقوف على مواطن الضعف والتجاوزات والبحث في كيفية معالجتها. وفي خضم عودة الاحتجاجات المحلية في أماكن مختلفة من البلاد، ينبغي الوقوف على الأسباب الحقيقية لهذه الاضطرابات، والبحث في استحقاقات الثورة التونسية التي لم يتحقق منها إلا النزر القليل.
سادسا- في القابلية للاستعمار، فقد كشفت ثورات الربيع العربي هشاشة الدولة وقابليتها للانهيار بشكل مذهل. حدث ذلك منذ العام 2003 في العراق ثم ليبيا واليمن وسوريا، وبدرجة أقلّ في مصر وتونس. وتبيّن أن الحكومات الدكتاتورية التي سيطرت على السّلطة لعقود من الزمن هي في واقع الأمر بمثابة نمر من ورق ليس إلاّ. لذا برزت قابليتها اللامشروطة لعودة الاستعمار المباشر بعد عقود من الاستقلال المزعوم.
ومن أبرز مظاهر هذا الضعف الداخلي قدرة قوى خارجية على اختراق الدولة في كل من العراق واليمن وسوريا وليبيا. وبالتّالي توجيه بوصلة السلطة والتوازنات السياسية والعسكرية لحسابها، إذ يعتبر مثلا التدخّل الروسي والإيراني المباشر لحماية عرش بشار الأسد ذا دلالات عميقة على الهالة المفرغة التي كان يتمتّع بها نظام حافظ الأسد ووريثه بشار في سوريا. والدليل على ذلك مثلا، تصريح حسين سلامي نائب رئيس الحرس الثوري الإيراني يوم 1/1/2016 حول الامتداد الإيراني في سوريا والعراق واليمن بالقول “اليوم إيران أوسع ممّا تحدّده الخرائط الجغرافية”.
وبالعودة إلى مقدّمة المقال فإن مرحلة الوصول إلى المربّع الأول الذي استبشرت به دول الربيع العربي يوم 14 يناير/كانون الثاني 2011 واستمرت ارتداداته إلى دولة القذافي ومبارك وصالح والأسد ووو..، لا تزال بعيدة المنال، وأن انطلاقة نهضة هذه الدول على أساس البناء الديمقراطي والسلم الاجتماعي والتطور الاقتصادي وبالتالي المساهمة البناءة في الحضارة الإنسانية ينبغي أن تمرّ بهذه المرحلة الرّاهنة من المخاض العسير الذي هو مسار عقود من الحروب، تقوم على مقاومة بقايا الاستبداد وأنصار الثورة المضادة والتطرّف بشتى أشكاله، إلى جانب إبطال مفعول التدخلات الخارجية في صنع مصير هذه الدول.
حين يتحقّق ذلك كلّه وتنتفي كلّ مظاهر القابلية للاستعمار، وحين تتمكن الأحزاب الوطنية -سواء أكانت إسلامية أو ليبرالية- من إعادة إنتاج نفسها على أسس متينة من الأخذ بأسباب النجاح، والقبول بالرأي الآخر على قاعدة التوافق والتداول السلمي على السّلطة، وعندما تحرز الشعوب قدرا كافيا من النّضج تستوعب من خلاله قيم الحرّية وضوابطها، ينطلق مسار الانتقال الديمقراطي الحقيقي وتتحدّد معالم المربع الأول للالتحاق بقطار الحضارة في بلدان الربيع العربي.

أستاذ جامعي في الإعلام والاتصال/”الجزيرة”