الرئيسية / وجهات نظر / فرصة العمر في تونس
31063a0dd1ddfdec173e07380e1416db

فرصة العمر في تونس

على معظم الصحف والدوريات المحلية وحتى داخل المصارف او مكاتب البريد يصادف التونسيون منذ ايام اعلانا حكوميا مختصرا وبسيطا يقول في سطر واحد، «لا تضيع فرصة العمر». الفضوليون الذين قد يجلبهم العنوان ويرغبون بمعرفة التفاصيل قد يتفاجأون في الاثناء بأن الفرصة المقصودة ليست سوى اكتتاب وطني اطلقته السلطات في الثاني عشر من مايو/ايار الماضي، ويستمر حتى الثالث عشر من الشهر الجاري. وفقا لمسؤولين حكوميين فان الهدف من وراء العملية هو جمع خمسمئة مليون دينار لضخها في ميزانية الدولة، من خلال عرض سندات للبيع على الافراد والشركات مع نسبة مغرية من الفوائض والارباح.
اما اخر ما يؤكده هؤلاء فهو ان ما تم تحصيله من مبالغ مالية في نهاية الشهر الماضي قارب الثلاثمئة مليون دينار. في الظرف الحرج والدقيق الذي تمر به التوازنات الماليةللبلاد يبدو الامر نجاحا نسبيا لحكومة التكنوقراط، على الرغم من ارسالها المتكرر لاشارات على ان ذلك لم يعد كافيا لسد العجز، وانه مازال مطلوبا من التونسيين ان يقدموا تنازلات اخرى قد تشمل رفع الدعم قريبا عن بعض المواد الاساسية، لكن الاشكال الحقيقي هو ان الصورة ليست بالوردية المطلقة، كما قد يوحى بذلك حجم الاقبال على الاكتتاب فالجانب الاخر الذي لا يرغب البعض الان بكشفه هو هذا التباعد الصارخ الذي يزداد حدة يوما بعد آخر في وضع الاهداف ورسم الطموحات، فضلا عن الفهم المشوش والمغلوط لمعنى وحقيقة ما يوصف بالفرصة.
ما يلحظه الناس هو تحرك مشبوه ومريب على كوكب السياسة لكائنات غريبة الشكل بعيدة معرفيا وعضويا عن كل ما يدور على المدار الاصلي من ضجر وغليان، وحتى مشاعر يأس عاصف واحباط مخيف. شغل تلك الكائنات وهمها الوحيد هو الفوز، مهما كلف الامر، باصوات من لا فكر لهم ولا عقل ولا ارادة، او في افضل الاحوال من فضل الاستغناء المؤقت عن ملكات لم تعد تغنيه او تسمنه من جوع . ومن اجل ذلك فهم يقررون مصالح الامة ويحددون بعدها انواع الفرص ووقتها المناسب. وسط كل الغبار الذي تتركه المعارك الاعلامية الهوجاء التي يستمتعون بخوضها بضراوة وقسوة، ورغم هدنة الوفاق الهش، تنتعش آلة القنص الشامل والسريع لكل من يعترض سبيل المعدمين والمحرومين، مما يلوح بنظرهم فرص كسب او نجاح. قد لا تهم كثيرا طبيعة الطرق او الدروب مادامت سالكة ومفتوحة لوصول سهل وسريع لتلك الغايات. وهذا ما يؤجج حال الابهام والسريالية ويزيدها امتدادا وانتشارا، فالمستكرشون الكبار اصحاب الجيوب التي انتفخت بعرق البسطاء ماضيا وحاضرا لا رادع يمكن ان يعطل اندفاعهم المجنون والمقيت نحو الثروة والسلطة، على الرغم مما يظهرون او يخفون من رخاء خيالي وفاحش، مثلما ان المعدمين من اصحاب الجيوب المفلسة والخاوية لم يعد باستطاعة احد ان يوقف انسياقهم الاعمى والمدمر خلف نداء الحاجة الغريزية والمحمومة لرغيف الخبز، على الرغم من كل ما يرفعونه من شعارات ومطالب للكرامة الانسانية دون سواها. وليس غريبا امام كل ذلك اذن ان تمتلئ الصحف بفضائح التسريبات التي تحصل في امتحانات الثانوية العامة، مادام الاختراع الوحيد الممكن لبعض الشباب هو الغش بوسائل اتصال وتقنيات حديثة صنعتها عقول غرب قدم لهم اخر المخترعات على طبق الذل والاستعباد، او ان يتحدث البعض عن الطوابير الطويلة من الحالمين بالثروة، والتي تصطف كل يوم بانتظار فرصة قد تأتي بها الاقدار للظهور في واحد من برامج الحظ والمسابقات التي تعج بها قنوات التلفـــزيون، او ان يعود النقاش مجددا، ولو على استحياء، حول الهجرة السرية الى الضفة الشمالية من البحر المتوسط بنفس قوارب الموت المعروفة ووسط كل برك الدماءالمهينة للاحياء والموتى على السواء.
ما يقوله سكان الكوكب من السياسيين هو ان الفرصة ما تزال سانحة وممكنة لتغيير كل تلك القتامة ومحوها بالكامل. اما كيف ومتى فجوابهم هو ان الاصوات الصماء التي ستلقي بها يوما ما حبال الحظ او الديمقراطية في صناديق الاقتراع هي مفتاح السعادة الابدية وفرصة الشعب الكادح لهناء دائم لا شقاء بعده. وما يطلبه هؤلاء السكان من نزلاء المناطق القصية الذين يدعونهم تلطفا بالمواطنين قبل الوصول الى تلك الانتخابات هو مزيد الصبر وتحمل الاعباء وتعويض ملايين الدينارات التي نهبها حكام الاستبداد وحولوها الى خارج البلاد، بالاكتتاب في القرض الوطني او قبول رفع الدعم عن رغيف الخـــبر او الاقتــطاع الشهري من الاجر.
المبررات التي يقدمونها هي ان الوطن يحتاج الان لدعم ابنائه الفقراء، اما ابناؤه الميسرون فامامهم تضحية جسيمة وخطيرة هي الترشح لانتخابات توصلهم الى كراسي سلطة يتعففون منها ويصرحون مرارا وتكرارا بكرههم لها. ولكنه الواجب الوطني وحده الذي يدفعهم لقبولها مكرهين بنهاية الامر. فرصة العمر التي ينتظرونها اذن هي فقط بحصد الاصوات، اما من لا طاقة لهم ولا قدرة على الوصول الى كوكب السياسة القصي والغامض ففرص العمر الحقيقية لا تزال حتى الان بعيدة وعصية عنهم، وقد يستطيعون يوما ادراكها ان سمح لهم العمر القصير بذلك، والا فكل ما يمكنه فعله على الارض هو مزيد الانتظار لفرص اخرى قد تأتي بها عدالة السماء هذه المرة لكن في زمن اخر بالتأكيد.
“القدس العربي”