الرئيسية / وجهات نظر / ليبيا المحيرة والملتبسة
bbf55006e9ec1b7d17928ac9815e306a

ليبيا المحيرة والملتبسة

أخيرا فهمنا شيئا من الحاصل في ليبيا.. فالأخبار المنشورة أمس تحدثت عن حكم أصدرته المحكمة العليا بعدم دستورية انتخاب رئيس الحكومة رجل الأعمال أحمد معيتيق.
وكان ذلك خبرا جديدا لم تعرف ليبيا له مثيلا منذ أكثر من ستين عاما، على ما ذكرت التقارير الصحفية. أما المفاجأة الأخرى والخبر الأهم فهو أن الجميع قبلوا بقرار المحكمة وقرروا احترامه، وذلك تطور آخر لم يكن مألوفا في البلد الذي دمره العقيد القذافي طوال حكمه الذي استمر 42 عاما، وتركه أنقاضا ليس فيه مؤسسة أو مرفق لم يسلم من التشوه والتخريب.
باستثناء ذلك الذي حدث في اليومين الأخيرين، أعترف بأنه لم يكن في مقدوري أن أطمئن إلى شيء من الأخبار المثيرة التي خرجت من ليبيا خلال الأسابيع الأخيرة. كنت أتابع حوادث القتل التي استهدفت العديد من الشخصيات العامة، لكن أحدا لم يدلنا على الفاعلين، وما إذا كانت تلك الجرائم من قبيل تصفية الحسابات بين أجنحة الثورة، إعمالا لمقولة إن الثورة تأكل أبناءها، أم هي نتيجة صراعات قبلية وجهوية، أم أنها من فعل أنصار القذافي الذين لا يزالون مزروعين في أنحاء البلاد، أم أن المسؤول عنها هم عناصر الجماعات الإسلامية المتشددة ممن يدعون أنهم «أنصار الشريعة» أو القاعدة في بلاد المغرب العربي، أم أن الفاعلين ينتمون إلى أطراف أخرى غير التي سبق ذكرها؟.
حتى حين ظهر في الأفق اسم اللواء خليفة حفتر، داعيا إلى إنقاذ الثورة والدفاع عن كرامة الشعب الليبي، فإن علامات الاستفهام لاحقته، ذلك أن الرجل الذي كان قائدا فاشلا في الحرب التي شنها القذافي في تشاد، وقد انضم بعد عودته إلى معارضيه ثم ظهر في الولايات المتحدة الأمريكية التي أمضى فيها نحو عشرين عاما. وخلال تلك الفترة تولت المخابرات المركزية أمره وقامت بإعداده ليؤدي دورا في الإطاحة بالعقيد القذافي. على الأقل فهذا ما ذكرته صحيفة نيويورك تايمز في عدد 28 مايو 2014. وحين قامت الثورة عاد الرجل إلى بنغازي، حيث رقى نفسه إلى رتبة لواء (كان برتبة عقيد) ونصب نفسه قائدا لمجموعة من العسكريين أطلق عليهم الجيش الوطني الليبي، واخترع لذلك الجيش قيادة نصب نفسه على رأسها، واستفاد من علاقاته مع آخرين من العسكريين والمعارضين السياسيين في حملته الأخيرة. وقد انضم إليه بعض معارضي الحكومة الحالية، ممن كانوا أطرافا في الصراع الدائر بين التيارين الإسلامي والعلماني، وقد اتهم الأولون بالتستر على الجماعات المتشددة. وتأثرا بالأجواء الحاصلة في مصر فإن التجاذب بين الطرفين وصف بأنه حرب ضد الإرهاب، رغم أن حكومة السيد أحمد معيتيق التي حكم بعدم دستورية انتخابها أعلنت منذ تسلمها للسلطة أن التصدي للإرهاب والجماعات الضالعة فيه على رأس أولوياتها.
رغم الغموض والالتباس المحيط بالمشهد فإن القرائن التي تجمعت في الفترة الأخيرة تشير إلى أمرين، هما:
< أن التقارير التي دأب الإعلام المصري على نشرها عن وجود كيان باسم الجيش الحر يهدد مصر من ليبيا كانت كلها أوهاما واختراعات لا أصل لها ولا وجود هناك.
وهو ما نلاحظه بعد تحرك اللواء حفتر الذي لم نجد فيه أي إشارة إلى ذلك الجيش المزعوم لا عندهم ولا عندنا. صحيح أن الكلام كثير عن وجود متطرفين من جهات عدة جاءوا إلى ليبيا، ولكن أحدا لم يذكر أن لهم علاقة بالوضع في مصر، ولكننا فهمنا أنهم من رفاق الجهاديين الذين جاءوا من أماكن عدة إلى ليبيا وتونس والجزائر بعدما نقلوا أنشطتهم إليها، وصراعاتهم مستمرة مع السلطات الأمنية في الدول الثلاث. وكانت الصحف المصرية قد تحدثت عن معسكرات وأسماء لقياديين وتمويل قطري وتركي لذلك الجيش الموهوم، الذي قيل إنه سيزحف على مصر من الغرب لكي يلتقي مع ميليشيات حمساوية من قطاع غزة في الشرق وأخرى ستخترق الحدود من الجنوب قادمة من السودان، ثم تبين أن ذلك كله هراء، وأنه أقرب إلى الحرب النفسية أكثر منه إلى أي شيء آخر.
< الأمر الثاني أن التحالفات الإقليمية لها حضورها في المشهد الليبي، فالمنابر السعودية والإماراتية منحازة إلى اللواء حفتر وتعتبره بطلا ومنقذا لليبيا، في حين أن المنابر القطرية تعتبره انقلابيا ولا تخفي انحيازها إلى الشرعية والمؤتمر الوطني المنتخب. وليس معروفا على وجه الدقة ما إذا كان الانحياز مقصورا على التأييد الإعلامي والسياسي، أم أن له صورا أخرى، من بينها التمويل والتزويد بالسلاح.
لا يزال الغموض يحيط بالكثير مما يحدث في ليبيا، ليس فقط بسبب تضارب الأخبار القادمة من مصادر الداخل، ولكن أيضا لأن تحيزات الإعلام العربي تضاعف من شعورنا بالالتباس والحيرة.
“الشرق”