الرئيسية / وجهات نظر / الحراك السياسي في الجزائر… هل يصنع التغيير؟
4754cd50cbe9a2d25a2d27a9a2127c21

الحراك السياسي في الجزائر… هل يصنع التغيير؟

يَعتبر الكثير من المراقبين للساحة السياسية في الجزائر أن الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أبقت عبد العزيز بوتفليقة رئيسا لفترة أخرى ما هي إلا مرحلة انتقالية مفصلية في تحديد مستقبل البلاد بالنسبة للمعارضة أو للسلطة الحاكمة.
وتلعب عصب النظام النافذة لاستمراره وإطالة عمره ـ بما يمثله من رجال وسياسات ـ على ورقة الريع النفطي، وشراء السلم الاجتماعي، مع استغلال ورقة محاربة الارهاب وتحقيق الاستقرار المحلي والإقليمي لكسب التأييد الداخلي والدولي.
ولمحاولة تمرير المرحلة وتجميلها وشراء الوقت تعرض السلطة مشاريع اصلاحية وهمية، عنوانها التغيير ومحاربة الفساد، وصناعة الاقتصاد المستدام، وهو ما تنكبته طوال 15 سنة الماضية التي لم تنتج فيها، غير عصب الفساد المحمية قانونا، وأهدرت فيها أكثر من 700 مليار دولار في مشاريع ومخططات زادت من أعباء ميزانية التسيير القائمة على الريع البترولي بنسبة 70℅، في مقابل جمود أرقام النمو الاقتصادي الحقيقي الى مستويات تكاد لا تذكر.
كما لجأت لطرح مقترحات سياسية مألوفة منها في مثل هذه الظروف كعرض مشروع تعديلات دستورية مرتقبة، مسبوقة بحوارات مونولوغية بين السلطة واتباعها، وحتى ارضية السلطة المطروحة للنقاش لا تحوي أي تعديلات دستورية حقيقية، ولا تحدد طبيعة النظام، وترسخ بشكل واضح تغول السلطة التنفيذية ـ المتمثلة أساسا في رئاسة الجمهورية ـ على باقي السلطات.
في مقابل هذا الاستغفال المفضوح والمتكرر حد السماجة، ظهرت تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي المعارضة كتكتل قوي موحد لمطالب المعارضة الرئيسية بمختلف مشاربها من الاسلامية الى العلمانية الى الشخصيات العامة الكبيرة في طروحاتها وفي تاريخها.
وكان نجاح التنسيقية الأول هو التوافق على أرضية مشتركة تكفل انتقال ديمقراطي سلمي وشفاف، ولأول مرة تظهر المعارضة بهذا التماسك في مواقفها، والاصرار على مواجهة السلطة ومخططاتها حتى النهاية، وفي نجاحها في تجميع اشتات قوى طالما باعدت بينها الاختلافات الايديولوجية تارة، وسحر أيادي السلطة الخفية تارات اخرى.
وما ساهم في نجاح المعارضة هذه المرة هو التشبيب في قياداتها التنظيمية، وتخليها عن قياداتها التاريخية التي ظلت الى زمن قريب تأنس للحلول الترقيعية، والمغانم الفئوية والرشاوى الانتخابية، والمناصب التزيينية، لا تعدو ان تكون فتاة الموائد، وترفض الحلول الراديكالية مع السلطة المتكلسة، مما جر عزوف الشعب عنها وهجرة المناضلين عن قواعدها.
حتى ظهر جيل جديد من القيادات السياسية الشابة وعلى رأسها عبد الرزاق مقري رئيس حركة مجتمع السلم ومحسن بلعباس رئيس التجمع من اجل الثقافة والديمقراطية وسفيان جلالي وغيرهم، حيث استطاعوا تجاوز كل الخلافات الايديولوجية، ورضوا بالتوافق حول معالم واضحة لإنقاذ البلاد من الوهدة الماحقة التي تُقاد إليها اذا استمرت عصبة الريع والفساد ـ لا قدر الله ـ في قيادة البلاد.
وكان لقبول هيئات سياسية فاعلة في المعارضة كالجبهة الاسلامية للإنقاذ وجبهة القوى الاشتراكية، وشخصيات وطنية من الاوزان الثقيلة كرؤساء الحكومات السابقة غزالي وحمروش وبن فيس، وقيادات تاريخية كبيرة وحقوقيين المشاركة في ندوة التنسيقية المرتقبة دافع كبير للتفاؤل، وارتسام افق معقول للنجاح.
في المقابل عجزت السلطة عن استدراج اوزان سياسية تمثيلية ثقيلة لحواراتها المستهلكة، مكتفية بأشباه سياسيين من الموالاة وقد الفنا وجوههم ووجودهم كلما احتاجت السلطة لكرنفال جديد، مكررة فشلها الاخير في جر الشعب للمشاركة في الانتخابات الرئاسية في ابريل الماضي.
ولكن هل ضعف النظام العليل برأسه يجعلنا نؤمن جانبه، ونوقن من تفاعله الايجابي مع مخرجات ندوة الانتقال الديموقراطي، وقد عودتنا العصبة المتحكمة في النظام وأذرعها الأمنية الاخطبوطية الممتدة عبر كل مفاصل الدولة ـ خاصة حيث يكثر الريع ومغانمه ـ بالاستماتة في الدفاع عن وجودها ومصالحها ولو بحرق البلد، وصناعة عشرية حمراء جديدة.
هل يقبل رجال الحكم النافذون ومأجورو الدولة العميقة وبارونات الاستيراد وعمولات النفط، بحكم دولة القانون والشفافية، والتداول السلمي على الحكم، وقد ألِفت العوم في حمأة الفساد حتى الأذقان.
هل ترضى القوى الدولية الفاعلة تغيير نظام طالما امّن لاقتصادها موردها الطاقوي، وجعل من بلاده سوقا رائجة لمنتوجاتها، بل ويعرض حتى استغلال الطاقة العادمة للبيئة كالغاز الصخري، في مقابل دعم بقائه على عرش البلاد وخزائنها.
وقد تكون هذه هي الفرصة الأخيرة للسلطة لتلافي سقوط مدو عبر الشارع في ثورة راديكالية لا يعرف منتهاها، ولا يحسب لتداعياتها.
“القدس العربي”