الرئيسية / وجهات نظر / مآلات وخيمة في موريتانيا
cce94a477aa56af1a6aa275eef48e880

مآلات وخيمة في موريتانيا

بات جلياً أن الرئيس الموريتاني، محمد ولد عبد العزيز، اختار أن يجازف بمصير بلده الهش، إذ قرر إجراء انتخابات رئاسية، ترفض أحزاب المعارضة الرئيسية المشاركة فيها، لغياب ما يضمن شفافيتها. فقبل يوم من بدء الحملة الانتخابية التي انطلقت يوم السادس من يونيو/حزيران الجاري، نزلت قوى المعارضة إلى الشارع، ونظمت مسيرة حاشدة لرفض “الأجندة الأحادية والمهزلة الانتخابية”.
وبما أن القطيعة باتت سيدة الموقف بين نظامٍ، يريد البقاء في السلطة ويملك آليات النفوذ والمال لتحقيق ذلك، ومعارضة تصر على التغيير، وتهدد بتوظيف الشارع لفرض أجندتها، فإنه أصبح وجيهاً استشراف مآلات الأزمة السياسية في موريتانيا في سياق الوضعين: الداخل المتهرئ والمحيط العربي المضطرب. وللأسف، كل الاحتمالات كارثية، فالخاتمة، هنا، إما أن تكون سيئة، أو سيئة جداً، أو بالغة السوء.
1    
لن يحصل ولد عبد العزيز على نسبة فوز كالتي أحرزها عبد الفتاح السيسي في مصر أو بشار الأسد، لأن موريتانيا تجاوزت هذا المستوى من الوقاحة، منذ حوالي عشرين عاماً. لكن، يجب الجزم بأن الرجل سيبقى في القصر الذي دخله، أول مرة، عنوة، وعاد إليه في انتخابات أثيرت حولها شبهات عديدة.
عندما يعلن فوز الجنرال المنقلب سابقاً بولاية ثانية، فالاحتمال الأقل سوءًا أن تدخل موريتانيا في أزمة سياسية. وفق هذا التقدير، ستواصل المعارضة، ومن يلتحق بها من النخب التي لم تنل حظها من المناصب، شل عمل البرلمان، وتعطيل برامج الحكومة.
ويعني تأزم الوضع السياسي دخول الطرفين في عداء مستحكمٍ، تطغى عليه الشخصانية، ويغيب معه تقدير المصلحة العليا للبلد. سيؤدي هذا إلى أن تواصل السلطة، وبشكل فج، تكريس أحادية القرار، بينما ستشيطن المعارضة كل ما يقوم به النظام.
وفي هذه الحال، سيكون الإنجاز الذي حققه الرئيس هو تمكنه من البقاء في القصر فقط، بينما ستتعطل المشاريع التنموية، إن كانت هناك، أصلاً، مشاريع يجوز أن يطلق عليها هذا الوصف.
وإلى جانب الاحتقان السياسي، سيزداد نفور المستثمرين الأجانب من موريتانيا، ويعرض المانحون عن تسولها وتوسلها في المحافل الدولية. فعلى خلاف العرب، ما تزال لدى الغرب بقية أخلاقٍ، تمنعه من تقديم العون المادي لحكومات يكثر اللغط حول شرعيتها.
2
من الطبيعي أن يعول الرئيس الموريتاني على الوقت، لامتصاص حماس الشارع، ببث الفشل في صفوف المعارضة، وإغواء بعض قادتها بالمال وبالمناصب. لكن، آخر مسيرة نظمتها المعارضة عكست أن قادتها أدركوا أخطاء قاتلة، وقعوا فيها سابقاً، ومكنت النظام من احتوائهم.
وإذا ما تجاوزت المعارضة هذا الاختبار، وتمكنت من إلهاب الشارع، وقررت فرض التغيير، تكون موريتانيا قد يممت وجهها شطر الجحيم، فبدل أن يعتبر الرئيس بمصير معمر القذافي وزين العابدين بن علي وعلي عبد الله صالح وحسني مبارك، سيرى أن عليه أن يقتدي بالأسد والسيسي وخليفة حفتر. سينطلق من أن الثورة لم تطح الأسد، على الرغم من أنه قتل مئات آلاف من شعبه، ورمى ملايين في دروب اليتم والترمل واللجوء.
لكن، ستكون تجربة السيسي أكثر إغراء لولد عبد العزيز، وسيستحضر أنه، بعد أن قتل وسجن الآلاف، طّبّل له الناس، والوهم يستوطن غالباً أذهان العسكريين العرب.  ومما يؤكد وجاهة هذا الاحتمال أن موفدين خليجيين ذكّروا ولد عبد العزيز بأن عائدات النفط تصرف بسخاء على أي نظام عربي، يتحدى أوهام الحرية، ويجهض حلم الثورة والديمقراطية.
إن إصرار المعارضة على التغيير وشعور النظام بأن في وسعه البطش بالجماهير سيقود إلى نتائج كارثية، في بلد آيل للسقوط، مثل موريتانيا، ذات التركيبة الإثنية المعقدة، ولن يؤدي هذا السيناريو السيئ جدا إلى سقوط ضحايا عديدين، وانهيار الاقتصاد فحسب، بل سيقود إلى فوضى، تتيح لبعض الشرائح فرصة الانتقام من أخرى، وتصفية حسابات عقود من الحقد والغبن.
3
السيناريو الأكثر سوءاً هو أن تدرك النخبة العسكرية أن الخطر بات يتربص بها. وبدل أن تترك للشعب شرف إنجاز ثورةٍ، لا تبقي ولا تذر، تتخذ إجراء حاسماً يعيد إلى الجيش محوريته ووهجه لدى الرأي العام.
ليس هذا الإجراء سوى انقلاب ينفذه ضباط، لحماية مصالحهم، وسيهلل له، مع عميق الأسف، قادة المعارضة وشيوخ القبائل ونقابات العمال والتعليم وأئمة المساجد. ولن يجد الضباط المنقلبون عناءً في الاعتراف بهم دولياً، لأن المعارضة ستعتبرهم مخلصين. هذا الاحتمال الأكثر رجوحا يعني أن موريتانيا ستعود إلى سيرتها الأولى، إذ سيعيد الانقلاب التجربة التعددية إلى نقطة البدء، وربما يُحتم على البلاد أن تعيش مائة عام من العزلة والتخلف.
“العربي الجديد”