الرئيسية / وجهات نظر / جبروت السياسة تَقْهَرُهُ الكلمات
كمال-عبد-اللطيف

جبروت السياسة تَقْهَرُهُ الكلمات

يُعَوِّد قارئ صفحات وأقسام الرأي، في الصحف والمواقع الإلكترونية العربية، نفسه على متابعة يومية لكتاباتٍ تُعْنَى بقضايا متنوعة، تتناول، في الأغلب الأعم، مستجدَّات الصراع السياسي في المجتمعات العربية، وتُقاربُ أسئلة الأحداث الإرهابية التي تُواكب التغيُّرات التي عرفتها البلدان العربية منذ خمس سنوات، تحت تأثير الانفجارات والثورات التي عمَّت مدناً عربية كثيرة، مشرقاً ومغرباً. ولا تخلو صفحات الرأي، أيضاً، من مواقف وتحليلات تَخصُّ الصراعات الإقليمية والدولية في علاقتها بالتحوُّلات التي أشرنا إليها.
أفترض مجازفاً أن الذي يمنح القوة لمقالات الرأي أحد أمرين: زاوية النظر، التي يبلور في إطارها صاحب المقالة رأيه، حيث يُعيد تركيب الأحداث بالصورة التي تجعلها مرتَّبة ومقنعة. أو أن تكون المقالة مُعَدَّة بطريقةٍ تعتمد أساساً على نوعية الكتابة وطريقة التَّرَسُّل في بناء الرأي أو الموقف، بالشكل الذي يكشف أن صاحبها يهتم أساساً بعملية سَبْك المكتوب، أكثر من عنايته بالأحداث وتلافيفها وأبعادها. ومن المعلوم والمؤكَّد أن لكفاءة الإنشاء مزاياها الخاصة في الإقناع والاستمالة.
لا ينبغي أن نغفل الإشارة، هنا، أيضاً، إلى بعض مقالات الرأي، ذات الخيارات السياسية والإيديولوجية المُعْلَنة والواضحة، ذلك أن أصحابها يركِّبون، في عناوين المقالات وأسطرها وبصورة مباشرة، مواقفهم وآراءهم من أحداث ووقائع وخيارات أخرى. ولهؤلاء معاينات ومبرِّرات وخيارات، يمكن لمن لا يقبل نتائجها أن يُجادلهم فيها، حيث يكون فضاء الكتابة في صفحات الرأي مناسبةً للإشارة والتوضيح وإعلان المواقف.
يُمكن أن نضيف إلى التقسيمات التي رتَّبنا أعلاه مقالاتٍ أخرى، تروم مساءلة موضوعات وقضايا، انطلاقاً من خياراتٍ تتوخى تعزيز مواقف سياسية وثقافية معينة ودعمها على حساب أخرى، نقصد بذلك مقالات المنافحة والإسناد. يتيح التنوُّع في الصفحات المذكورة جملة موادّ تُغني صفحات الرأي، وتجعلها فضاءً للتقاطُع والاختلاف، كما تجعلها، في الوقت نفسه، حلبةً للتوافق والاشتباك، والنقد والتبرير، والدفاع عن المواقف، ثم الدفاع عن نقائضها في زمن لاحق، إذا اقتضى الأمر.. إنها، في نهاية الأمر، مرآة كاشفة لاختلاف المواقف وتنوعها، وكاشفة أحياناً أخرى لأقنعة محرِّريها وأوهامهم.
لا نتجه، في هذه المقالة، إلى إصدار حكم قيمة، ولا نعتبر أنفسنا مؤهلين لذلك، ولا نروم إنجاز توصيف بارد ومُحايِد. نحن نتجه صوب تقديم تحية تقدير لمقالاتٍ نصادفها بين حين وآخر في صفحات الرأي في الصحافة العربية، في المواقع الإلكترونية والمطبوعة على الورق.
نقف في بعض الصحف على مقالاتٍ تمنحنا لحظات متعةٍ لا نستشعرها في أغلب ما نقرأ يومياً في صفحات الرأي، فعادة ما تكون مقالات الرأي معنيةً بقراءة الأحداث، ومواكبتها بمنطقٍ في الكتابة، يخضع لإكراهات الراهن في غليانه، فتمتلئ غمّاً وتملأنا كمداً.. صحيح أن صفحات الرأي تفتح أفقنا على أحداثٍ ومعطياتٍ تسلط عليها الضوء، وتُضفي على جوانبها معاني كثيرة، وصحيح أيضاً أننا، في بعض الأحيان، نكتفي بقراءة العناوين، حيث تُغنينا قراءتها عن متابعة تفاصيل المقال، فنغنم ما نحن بصدد البحث عنه، فقد قرأت، أخيراً، في الملحق الثقافي لجريدة العربي الجديد حواراً مع الشاعر اليمني الكبير الصديق عبد العزيز المقالح (28 ديسمبر/كانون الأول 2015)، وجاء عنوان الحوار: أخطر ما يواجهنا في العالم العربي هو الغزو من الداخل. وجدت في هذه الجملة المستلَّة من سياق محدَّد في الحوار فكرة كنت أبحث عنها منذ وقت طويل، عندما كنت ألتقي في بعض المقالات بعبارة غزاة الخارج.

إقرأ أيضا: ويسألونك عن التغيير..!؟

يرى المتحدث في الحوار أن غزاة الداخل في مجتمعنا أشد فتكاً، فنحن نواجه غزواتٍ عنيفةً منبعثة من عقر ديارنا، من أجسادنا، من ذاكرتنا، فكيف نواجه شبكة غزوات الداخل؟
نقرأ في صفحات الرأي أيضاً مقالاتٍ يصعب وضعها في الخانات التي ذكرنا، فعندما أصادف في “العربي الجديد” مقالات نجوى بركات، أتوقف قليلاً أمام عناوينها، فأتبين أنها تلتقط، في أغلب ما تكتب، مفردات وأسماء ومسمَّياتٍ، تتميز بخروجها عن المتداول والمألوف، ولأنها تكتب بطريقةٍ تولي فيها عناية خاصة لمزايا الإيحاء وبلاغة الحكي، فقد استطبت في مقالاتها طعوم المفردات وعطر الكلمات.
تمكّنت، في وقت لاحق، من إدراك أن أغلب ما قرأته وأقرأه لها من مقالاتٍ ينخرط في أتون المعارك القائمة في مجتمعنا. إن زاوية النظر هي التي توجه اختيارها ما تلتقطه من أحداثٍ ومفردات، وتصنع الفرق بين ما تكتبه وما يكتبه آخرون معها، ينفعلون بمثل ما تنفعل به.. ولعلها، انطلاقاً من هذه الزاوية بالذات، تطل على قرائها بكلماتٍ تقرّبهم وتُسعفهم بجملةٍ من الإشارات. وبهذا، نكون معها أمام المقالة الإشارة، أي أمام مقالاتٍ تخفف قليلاً من جبروت السياسة في حياتنا.

محاضر في جامعات ومؤسسات بحث في المغرب وخارجه/”العربي الجديد”