الرئيسية / وجهات نظر / رئاسيات موريتانيا: بين صراع النخبة وهم البسطاء
471b98db229052832a7bc8d503e515d7

رئاسيات موريتانيا: بين صراع النخبة وهم البسطاء

وبدأ كرنفال الحملات الانتخابية الرئاسية في موريتانيا، المقرر إجراء الشوط الأول  منها يوم االـ21 من الشهر الجاري، وهي انتخابات في ظاهرها تنافس بين الرئيس الحالي محمد ولد عبد العزيز و 4 مرشحين آخرين، وفي جوهرها وكنهها انتخابات ينافس فيها الرئيس عزيز نفسه، ويتحدد مدى نجاحه من عدمه في قدرته على تأمين نسبة مشاركة معتبرة وسط دعوات كبيرة للمقاطعة.
هكذا إذن بعد أسابيع قليلة، ينفض سامر الولاية الأولى للرئيس الموريتاني عزيز، وهي ولاية كانت حافلة بالكثير من المد والجزر السياسي، والتجاذبات بين سلطة ترى أنها خطت بموريتانيا خطوات عملاقة على درب التنمية، ومعارضة لا يرى أغلب قادتها، ولو أخفوا ذلك، في الرئيس عزيز إلا جنرالا طموحا تسلل إلى مخدع السلطة على ظهر دبابة في لحظة غفلة من الموريتانيين.
ولإن كانت هذه الولاية التي توشك على الانصرام، والممتدة منذ عام 2009، هي الولاية “الرسمية” الأولى للرجل في قصره الرمادي، إلا أنه سبق وأن احتل المكان قبل ذلك، عام 2008 حينما أزاح الرئيس المنتخب سيدي ولد الشيخ عبدالله من كرسيه في حركة سماها المناصرون “تصحيحا”، والمعارضون انقلابا، ورغم الرفض العريض الذي قوبلت به إلا أن اتفاق دكار حل الإشكال، وحينها تخلى الرجل عن بذلته العسكرية وكرسيه الرئاسي “ولو ظاهرا على الأقل”، ونزل إلى السباق ليفوز في انتخابات اعتبرت نزيهة وشفافة على الأقل من الناحية الإجرائية، ولتدخل بعدها البلاد في حالة سكون استمرت سنتين ، ومالبث الربيع العربي أن أحيى الشوق القديم لدى المعارضين، فانطلقت مهرجانات ومسيرات الرحيل، وعلا صوت المعارضة، غير أن سنة من كل ذلك الحراك لم تثمر في النهاية شيئا، لتشهد البلاد انتخابات نيابية قبل أشهر قاطعتها أغلب تشكيلات المعارضة ، باستثناء الإسلاميين الذين اعطت مشاركتهم زخما ومصداقية للانتخابات.
الانتخابات النيابية، أحدثت شرخا بين المعارضين أنفسهم، وبدأت الحملات الإعلامية، ولغة التخوين، والاتهامات والاتهامات المضادة بين حلفاء الأمس، وكاد الأمر أن يخرج عن السيطرة، لولا أن سياسات النظام، التي أمعنت في رفض حتى المعارضين المشاركين في انتخاباته، شكلت عامل تجميع للمعارضين، وجعلتهم يستعيدون ألق لحظات الصفاء والمد، متجاوزين صدمة الانتخابات، على أساس أن أصل المشكلة لازال قائما، وأن النظام الذي يجمعون على معارضته مازال موجودا، وهو مايتطلب التوحد حول “المشترك”، ونسيان الخلافات التكتيكية الصغرى أو تجاوزها على الأقل.
ورغم أن الحراك السياسي وجدل المعارضة والنظام هو الأكثر حضورا في المشهد، إلا أن البلاد شهدت في سنوات الولاية الأولى للرئيس عزيز حراكا اجتماعيا لافتا، وهو حراك مشروع الأهداف والتطلعات، إلا أن تمظهرات التعبير عنه شابها الكثير من الشطط بل التطرف، وبدت أسئلة مثل الهوية والتعايش ومستقبل البلاد،  وكأنها أسئلة حائرة لا تزال تبحث عن إجابات، رغم أن نحو خمسة عقود من الاستقلال كان ينبغي أن تكون كافية لتحديد من نحن كموريتانيين وأية “موريتانيا” نريد.
واللافت أن هذه الأسئلة الكبرى التي تريد النخب “المترفة” أن تشغل بها وقتها وأن توظفها في صراعها السوسيو- سياسي، قد تبدو محسومة، بل ومتجاوزة، بالنسبة للإنسان الموريتاني العادي، الذي تستفزه الحاجات اليومية والكد الحياتي، بحيث يبدو له الصراع حول ماعدى ذلك مجرد “لغو” وعبث مجنون.
واليوم، تدخل المعارضة والنظام في جولة  صراع أخرى، ويتصارعون حول إشكالات “شكلية” تتعلق بالانتخابات والمشاركة وغيرها، وفي نفس الوقت تستمر صراعات النخب حول “الهويات المتضادة” و”التعايش المستحيل”، كما يحلو لهم أن يتصورو، في حين يواصل الإنسان الموريتاني العادي حياته ، عارفا بالضبط هويته، إنه”مسلم موريتاني”، وعارف بالضبط، بإذن الله، أي مستقبل ينتظره، فقدر الموريتانيين أن يتعايشوا حاضرا ومستقبلا.
ورغم كل هذا الصخب النخبوي “الأنيق”،  يواصل الإنسان الموريتاني العادي سيره اليومي خلف تفاصيل حياته، هازئا من كل هذا “الهراء ” المعلب في أكياس “السياسة”، أو المطرز بخيوط “الدعوات الحقوقية”، متسائلا أين خبزي وحبة دوائي أيها “المتصارعون” على حلبة لاتعنيني، قائلا، بلسان الحال، إليكم عني أيها “المتنافسون على “كعكة فاخرة”، في حين أن ابني يفتش في قمامة الجيران عن كسرة “خبز حافي” فلا يجد.
“رأي اليوم”