الرئيسية / وجهات نظر / لا ضرورة لـ«خيبة الأمل» والربيع العربي منتصر لا محالة
0a55750959c2d0524546669443332ea1

لا ضرورة لـ«خيبة الأمل» والربيع العربي منتصر لا محالة

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على انطلاق الشرارة الأولى لما سمي «الربيع العربي»، وهذه تسمية غربية مقتبسة من «ربيع براغ» في عام 1968، هناك إحساس بخيبة أمل باتت تعم المنطقة العربية كلها وبات الحديث يجري عنها بأصوات مرتفعة في ضوء ما يصر البعض على اعتباره انتكاسات ممثلة بكل هذا الاقتتال الذي اقترب من أن يكون بمثابة حروب أهلية أدت إلى كل هذا الدمار والخراب وإلى ملايين المهجرين داخل أوطانهم وخارجها، إضافة إلى مئات الألوف من القتلى والجرحى والمعتقلين في سجون مظلمة لا أحد يعرف على وجه التحديد أعداد نزلائها ولا أسماءهم.
ولعل ما تجب الإشارة إليه هو أن المصابين بخيبة الأمل هذه هم إما أناس متضررون من هذا الربيع العربي وهم رفضوه بالأساس وبادروا إلى مقاومته منذ اللحظة الأولى، وإما بعض من لا يعرفون أن التحولات التاريخية تمر بمراحل تتخللها مذابح دامية وبحروب أهلية مدمرة قد تستمر لعشرات السنين وأكثر، والمثل على هذا هو الثورة الفرنسية التي انطلقت في عام 1789 ومرت بنكسات ومنعطفات كثيرة قبل أن تحقق أهدافها وتؤدي إلى تغييرات جذرية في مسار حركة التاريخ إنْ في فرنسا وإنْ في أوروبا وإنْ في العالم بأسره.
كل الثورات التي عرفها التاريخ، وأهمها بالنسبة للقرن العشرين الثورة الروسية الشيوعية التي أدت إلى تأثيرات اقتصادية وسياسية واجتماعية في الكرة الأرضية كلها، قد واجهت انتكاسات وثورات مضادة كثيرة، وواجه بعضها إخفاقات أدت إلى فشلها، كما حصل للاتحاد السوفياتي في بدايات تسعينات القرن الماضي، وكما حصل للمنظومة الاشتراكية في أوروبا الشرقية وفي العالم كله، وهذا هو ما قد يحصل لبعض «ثورات» الربيع العربي التي حتى وإن هي لم تحقق الانتصار المنشود الآن وعلى المدى المنظور فإنها ستحققه لاحقا لا محالة.
كان الأمل بعد هروب زين العابدين وسقوط نظامه، الذي لم يكن امتدادا لنظام «المجاهد الأكبر» الحبيب بورقيبة بأي حال من الأحوال، وبعد انهيار نظام معمر القذافي ونظام حسني مبارك تباعا وبسرعة ضوئية، أن ينهار نظام بشار الأسد الذي هو أسوأ هذه الأنظمة كلها وأكثرها دموية وأن «تكر المسبحة» بعد ذلك، فيسقط نظام عمر البشير ونظام علي عبد الله صالح الذي إذا أردنا قول الحقيقة فإنه لم يسقط حتى الآن.
إنه من الخطأ اعتقاد أن الثورة المصرية قد فشلت، ولعل ما بات معروفا أن الإخوان المسلمين بتواطؤ أميركي لا يستطيع كائن من كان إنكاره قد تمكنوا من اختطاف هذه الثورة على مدى فترة حكم محمد مرسي، القصير العمر، لكن الشعب المصري ما لبث أن قام بثورة جديدة في يونيو (حزيران) 2013 وتمكن من تعديل مسار حركة التاريخ في بلده، ولعل ما يؤكد هذه الحقيقة هو هذه الانتخابات الأخيرة التي أرست دعائم نظام سيكون تداوليا لا محالة، فزمن الانقلابات العسكرية في هذا البلد الطلائعي العظيم قد ولى وإلى الأبد ومن دون أي رجعة.
إن تجربة الحكم في مصر بعد هذه الانتخابات غدت محكومة بـ«دستور» لا مجال معه للعودة إلى نظام «من المهد إلى اللحد»، وغدت محكومة بإجماع شعبي لا تأثير فيه لكل «عراقيل» الإخوان المسلمين وأتباعهم وكل ما يقومون به من أعمال إرهابية ممولة من أطراف عربية ودولية معروفة، وهنا فإن «خيبة الأمل» التي يجري الحديث عنها بالنسبة لـ«الربيع العربي» كانت في الحقيقة بعد اختلاس «الإخوان» لتضحيات الشعب المصري وعطاءاته التاريخية العظيمة وبعد انحرافهم بإنجازات الثورة المصرية نحو أبشع استبداد سياسي وفي اتجاه أبشع «ديكتاتورية» ترتدي أردية دينية مزيفة وغير صحيحة لو لم تتصدَ لها ثورة يونيو لكانت أخذت هذا البلد إلى كهوف أسوأ أنظمة الحكم الشمولية التي عرفتها هذه المنطقة وعرفها العالم بأسره.
ثم إنه غير جائز إطلاقا أن يحكم على الربيع العربي بأنه انتهى إلى خيبة أمل محبطة لأن الثورة السورية لم تستطع حسم الأمور وإسقاط نظام بشار الأسد بالسرعة المتوقعة، فالمعروف أن سوريا قد حولتها المؤامرة، المتورط فيها هذا النظام حتى عنقه، إلى ساحة صراع إقليمي وصراع دولي، وأن الشعب السوري قد واجه، ومنذ الأيام الأولى لثورته، روسيا بكل قدراتها العسكرية والسياسية وإيران بأموالها وأسلحتها وحراس ثورتها، وكل هذا بالإضافة لكل هذه المجموعات المذهبية التي تم استيرادها من العراق ومن دولة الولي الفقيه وأيضا من باكستان وأفغانستان ومن كل حدب وصوب.. وأيضا وكل هذا بالإضافة إلى دخول «حزب الله» بـ«ميليشياته» وأسلحته وأمواله الحرب ضد المعارضة السورية.
ويقينا أنه لولا هذا كله ولولا تخاذل الولايات المتحدة ومعها كل دول الاتحاد الأوروبي من دون استثناء حتى ولا دولة واحدة وتخاذل بعض الدول العربية، لكان نظام بشار الأسد قد سقط بالسرعة نفسها التي سقط فيها نظام زين العابدين بن علي ونظام معمر القذافي ونظام حسني مبارك، فهذا النظام، نظام بشار الأسد، بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، وبعد إجباره بإخراج قواته من لبنان، أصبح يعيش ظروفا في غاية الصعوبة وأصبح آيلا للسقوط في أي لحظة، ويقينا أنه ما كان بإمكانه الصمود والاستمرار ولو لأسابيع قليلة بعد انطلاقة شرارة درعا المعروفة في عام 2013 لولا دخول الروس والإيرانيين بكل قواهم وبكل إمكانياتهم العسكرية والمالية والسياسية إلى مسرح المواجهة التي تحولت إلى حرب مدمرة من غير المستبعد أن تتواصل وتستمر لسنوات طويلة.
لكن رغم هذا فإن ما يجب تأكيده هو أن ثورة الشعب السوري سوف تنتصر في النهاية، وأن هذا النظام مصيره إلى الزوال لا محالة مهما تلقى من دعم مستعار من روسيا ومن إيران ومن غيرهما، فالغلبة هي دائما وأبدا للشعوب المنتفضة والدم سينتصر حتما على السيف، وبالتالي فإنه إذا كان هناك مصاب بخيبة الأمل وبالإحباط والقنوط واليأس فإن هذا يقتصر على «المؤلفة قلوبهم» وعلى أصحاب الألوان الرمادية وعلى الانتهازيين الذين ركبوا الموجة عندما ظنوا أن الانتصار سيكون قريبا وعلى أساس الحكمة القائلة: «إن الثورات يصنعها الأبطال والشجعان، وإن من يقطف ثمارها في بعض الأحيان هم الجبناء والانتهازيون»!
وهكذا فإن الثورة السورية ستنتصر حتما ولا محالة، وإذا كان البعض قد أصيبوا بـ«خيبة الأمل» نتيجة اشتداد كل هذا العنف، وحيث بات معروفا ومؤكدا ومما لا نقاش فيه أن هذه الحرب التدميرية والدموية التي تشن على الشعب السوري هي حرب إيرانية وحرب روسية وحرب الشراذم المذهبية التي تم استيرادها من العراق ومن إيران ومن أفغانستان وباكستان ومن لبنان أيضا فالحكمة تقول: «إن اشتداد الظلمة يعتبر دليلا على اقتراب الفجر». ولذلك فإن المؤكد أن فجر سوريا الجديد قد اقترب وأن نهاية مأساة شعبها التي كانت بدأت في بدايات ستينات وبدايات ثمانينات القرن الماضي قد أصبحت على الأبواب.. وأن النصر قد غدا متوقفا على مجرد صبر ساعة.
وكذلك وحتى بالنسبة لليبيا فإن هذا الذي تعيشه الآن هو عبارة عن أوجاع مخاض الولادة الجديدة التي لا بد منها، فهذا البلد مثله مثل سوريا قد ابتلي بنظام حكم تمكن من تدمير الحياة السياسية على مدى أربعين عاما وأكثر، وبالتالي فإنه لا ضرورة لـ«خيبة الأمل»؛ فالتحولات التاريخية وكما تمت الإشارة إليه آنفا لا بد من أن تمر بمراحل انتقالية صعبة، ولا بد من أن ترتطم بصعاب ومصاعب كثيرة، ولا بد من أن تصطدم بالقوى المضادة التي هي الآن كل هذه المجموعات الإرهابية المختلفة المشارب والمتعددة المرجعيات والتي هي الإخوان المسلمون الذين بعدما خسروا الحكم في مصر تحولوا إلى المزيد من العنف، وعلى طريقة «عليّ وعلى أعدائي».. ولكن في النهاية فإن الشعب الليبي مثله مثل الشعب السوري سينتصر حتما وكما انتصر الشعب المصري وتوّج انتصاره بهذه الانتخابات الأخيرة.
“الشرق الاوسط”