الرئيسية / وجهات نظر / نداء الياسمين يربك الجزائر
215be7e503aca6455a13824e8066bf13

نداء الياسمين يربك الجزائر

لقد افتقدتُ ثورةَ الياسمين، ولازِمَتها الصارخة في وجه الديكتاتوريات، عبر الأزمنة كلها: “بن علي هرب”. وافتقدت، أيضاً، الرجل الذي ناخ عليه الهارب بكلكلِه، كليل امرئ القيس، حتى هرم وهو لم يتمتع حتى بطفولته.
ورحم الله البوعزيزي، مسيح الشباب العربي، ولو كان الزمن يتسع لديانات جديدة، لكانت البوعزيزية، بكل الأناشيد التي نظمتها، إحداها.
ولا قَبَس من كل هذا حضر في تحليلات أكاديميينا، وكأن الخطاب خطاب عرش، لم يسلك غير السبل الممهدة والمعهودة.
لا ياسادتي، لم ينطق الخطاب بغير الثورة، في بلد الثورة. اسألوا توقيت الزيارة، ومسرح الخطاب، والحضور المُنتزع من مشاغله، والذي ما كان ليبذر وقته، لو لم يستشعر الحاجة إلى رسائل واضحة، وهو يسعى إلى أن يزف الشمس إلى شروقها. شمس تونس التي حياها نزار قباني، ذات ربيع شعري:
يا تونس الخضراء جئتك عاشقا *** وعلى جبيني وردة وكتاب
الملكية والدولة المغربية في تونس، وهي بصدد جهادها الأكبر، بعد أن طردت الرئيس الصغير بالجهاد الأصغر. كان لا بد من هذا الحضور الوازن، حتى يطمئن قلب العصفور الناري الملتهب، ويبرد برداً سلاما. لا لم تأت شيئاً فريداً، وأنت تنسج فجر تونس بخيوط الشمس.
وهل يوجد هذا القريض في الخطاب؟ نعم يوجد، يبقى فقط أن تَحمِلوا في قلوبكم جمراً بأواره، وليس رماداً بارداً مما نثره الهارب فوق تونس.
لمثل هذه القراءة، رحل الخطاب الملكي إلى بلد الياسمين.
والجزائر: أولا دائماً وأبداً كما يقول الأشقاء. باغتها نداء الياسمين، وهي في حالات تلبس دفعة واحدة: أبكت الشباب الجزائري في فرحة الرئاسيات؛ حتى لا تجهش غير الرتب العسكرية، بضحك كالبكاء. تزودت بالمبيدات تحسبا لفراشات الربيع الجزائري. فتحت المغارات، لتحرر كل ديناصورات الأزمنة الغابرة.
وقبل هذا كله، أدخلت الاتحاد المغاربي في جحيم من الأزمات المفتعلة؛ متوهمة أنها في غنى عن العالمين؛ وأنها الخاسر وغيرها الرابحون. وهل بالمال فقط تعيش الشعوب؟
وإذ بوغتت بنداء الياسمين، المنتصر لشعبها المقهور، والمُلِح على إطار مغاربي، يكفكف دمعه، ويحتضنه ضمن شعوب بأحلام واحدة؛ جَيَّشت كل ما في جزر اللعنات من كذب، لتصنع وهماً، وهل أفلحت في غير صناعة الأوهام وتصديقها؟
أما حينما انتبهت إلى كون نداء الياسمين يتحدث عن قيام مغرب الشعوب على أسس جديدة، أدركت ألا قبل لها بهذا الكلام الذي يفضح كونها خارج كل الفصول، وخارج منطق العصر.
من أين لكم هذه الأسس، وهذا البناء، وأنتم داخل قلاع الاستبداد؟
لم يبق لكم إلا أن تقولوا إن ملك المغرب أهان رئيس تونس؛ لكي تبعدوا الإهانة عنكم.
إن الملك أهان، علانية، من لا قدرة له على التجاوب مع طموح الشعب، ولا حتى مع مستجدات المحيط.
ألا بئس الآذان التي لا تسمع دوي المدافع في الجوار؛ وبئس العيون، إن لم تكن كعيني زرقاء اليمامة. وبئس الأعناق إن لم تكن في السياسة، كأعناق زرافات.
شكرا فخامة الرئيس على مبايعة نداء الياسمين. المبتدأ، سيدي، من تونس الخضراء؛ كما حرض عليها أبو القاسم الشابي؛ في ديوانه الذي سيظل يكمل حياة قصيرة جدا.
هكذا حياة الفراشات، النحل، العصافير وضحكات الطفولة. ديوان شعر يلد دولة حرة.
والخبر من المغرب. إن الاتحاد المغاربي الجديد ينتظر من يجرؤ عليه، ومن يحاوله، ومن لم يفعل لا أخاله كان صادقاً، وهو يحارب الاستعمار.
لم تكونا، أنت وضيفك، في مراكش؛ إذ تشابكت الأيادي وتنابذت القلوب، لم تُوَقِّعا على وثيقة أضمر لها بعضُهم كل الغدر، غياب بطعم الفأل الحسن.
نستبشر خيراً، هنا في المغرب؛ وكلنا أمل أن تدرك الجزائر أن البترول والغاز يصنعان ثراء، إلى حين، وكبرا وغطرسة، وقلاعاً، لكن، لا يصنعان أوطاناً، ولا مواطنين.
 “العربي الجديد”