الرئيسية / وجهات نظر / الخيار التونسي في غزة
37af23e2f7d11e1556440cfe75e251fd

الخيار التونسي في غزة

لم يكن هناك ربيع فلسطيني على غرار الموجة التي ضربت عدة بلدان عربية وأطلق عليها في بدايتها الربيع العربي، وبالتالي لم تكن هناك ضغوط داخلية تغير موازين القوى منذ أن سيطرت حركة حماس على قطاع غزة وطردت ممثلي السلطة الفلسطينية قبل أكثر من ست سنوات، مسببة أكبر انقسام في الأراضي الفلسطينية التي أصبح فيها سلطتان على أرض الواقع.
وعلى مدار سنوات قاومت حركة حماس التي تصرفت كشبه دولة مستقلة بعلاقات وتحالفات إقليمية خارجية خاصة بها، حدوث مصالحة حقيقية على اعتبار أن أي اتفاق من هذا النوع سيعيد رجال السلطة إلى القطاع، وإلى الحدود والمعابر وفقا للاتفاقات الموقعة سابقا لتنظيم الحركة على الحدود مع مصر وكذلك مع إسرائيل.
التغيير الذي فرض نفسه وجعل حماس تقدم هذه التنازلات وتقبل بحكومة مشتركة وانتخابات بعد ستة أشهر وقبول عودة الحرس الرئاسي إلى المعابر الحدودية مع مصر جاء عبر الحدود، وهو انعكاس للتطورات التي شهدتها المنطقة منذ اندلاع موجة التغييرات في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن.
تغيرت التحالفات وموازين القوى، وطردت قيادة حماس من دمشق، وكان طبيعيا أن تضعف العلاقة مع حزب الله الذي يشارك بالمقاتلين في الحرب الأهلية السورية، وكان يستغل سابقا حركة حماس في خلق المشكلات في مصر لصالح إيران وسوريا، وأصبح مصطلح المقاومة والممانعة بغير ذي معنى بعدما ظهر وجهه الطائفي.
وكان التغيير الأكبر الذي فرض عمليا منطق المصالحة هو سقوط حكم الإخوان التنظيم الأم في مصر بعدما كانت الحركة قد اعتقدت أنها حققت هدفها الاستراتيجي في وجود حليف متماثل عقائديا في البلد الذي لعب أهم دور في دعم القضية الفلسطينية على مدار العقود الماضية، ولم تكن حماس بالحصافة الكافية لتبعد نفسها عن هذا الصراع، وعلى العكس انخرطت فيه، إلى الدرجة التي أصبحت فيه خطرا أمنيا على مصر نفسها عن طريق الأنفاق والتهريب المتبادل من خلالها، سواء كان ذلك سلعا أو سلاحا ومقاتلين، مما أدى إلى حملة أمنية مصرية لا تزال مستمرة حتى اليوم لهدم هذه الأنفاق التي يقال إنها كانت بالمئات.
كانت هذه الأنفاق بمثابة شريان الحياة إلى حكم حماس، فمن خلالها تجبي الضرائب لتمويل متطلباتها، إلى درجة تشكيل تنظيمات إدارية لإدارتها وتحصيل الرسوم وكأنها منافذ جمركية.
يقال إن حركة حماس التي أصبحت أمام طريق مسدود، وبوادر تململ واضحة من سكان غزة، قررت أن تسلك مسار الخيار التونسي الذي تخلت فيه حركة النهضة عن الحكومة، تفاديا لمسار صدام كانت فيه بعض ملامح الصدام الذي حدث في مصر، وقد يكون هذا صحيحا مع اختلاف ظروف وتوازنات المجتمعات، فحتى النهضة في تونس قيل إنها فضلت ترك الحكم دون التخلي عن القدرة، بعدما رأت الإخوان في مصر يفقدون الاثنين معا، مع انعدام أفق أي مستقبل سياسي.
أيا يكن الأمر فإن الأهم أن تكون النيات خالصة في اتفاق تشكيل حكومة الوفاق الفلسطينية التي أدت القسم أمس، كما أن الظروف مختلفة، فحماس هي التي تملك القدرة والسلاح على الأرض في غزة، وسيكون مهما رؤية كيف ستتصرف مع الحرس الرئاسي، ورجال السلطة عندما يعودون إلى القطاع، كما سيكون مهما أن تكون الحركة استوعبت أن الجغرافيا السياسية تغيرت، ولن يكون هناك عودة إلى عصر الأنفاق مجددا، وبالتالي فإن الأفضل لها التركيز على مصلحة الشعب الفلسطيني.
ويتعين على القوى الخارجية المهتمة بعملية السلام أو ترعاها أن تعطي هذا الاتفاق فرصة، وتساعد السلطة الفلسطينية على تعزيز سلطتها بدلا من إضعافها، طالما أن هذه السلطة أكدت أن الحكومة الوطنية التي تشارك فيها حماس تحترم كل الاتفاقات الموقعة.
“الشرق الاوسط”