الرئيسية / وجهات نظر / تونس بين واقع التسوية وأمل الحوار الوطني
زهير إسماعيل

تونس بين واقع التسوية وأمل الحوار الوطني

مثّل حصول الرباعي الراعي للحوار الوطني في تونس على جائزة نوبل للسلام حدثا متميّزا على الصعيد العالمي، وشهادة لتجربة الانتقال الديمقراطي التي انطلقت مع انتخابات 2011 التأسيسيّة. وكان حفل تسليم الجائزة يوم العاشر من ديسمبر/كانون الأول الماضي بمعهد نوبل بمدينة أوسلو مناسبةً مشهودةً للاحتفاء بما حققته التجربة في ظلّ محيط عربي وإقليمي منفتح على أشكال قصوى من حفلات الدم وثقافة التوحّش.

أصداء التكريم ورسائله
لحظة انطلاق ما عُرف بالحوار الوطني لحظة مهمة في مسيرة الثورة في تونس، وأهمّيتها في أنّها يمكن أن تفسّر ما قبلها وما بعدها، رغم وجود أكثر من سرديّة بشأنها. ومثلما كان منتظرا عرض الرباعي الراعي للحوار سرديّته يوم الاحتفال، وكانت نصّا مشتركا توالت على قراءة فصوله الشخصيات الوطنيّة الأربع.
وعِيبَ على هذه السرديّة انحيازُها، حين لم توفّق في تمثيل كلّ القوى السياسيّة والاجتماعيّة في المشهد التونسي، ومن ثمّ لم تنجح في تمثيل تونس، وبدا خطابُ الرباعي مشدودا إلى الماضي أكثر من اتجاهه إلى المستقبل.
كان مطلوبا من الرباعي أن يتجنّب في كلمته العودة إلى ما اختلف فيه التونسيون، وهو من انتدب نفسه لرأب ما تصدّع من وحدتهم تحت تأثير النتائج السياسية لانتخابات 23 أكتوبر/تشرين الأول 2011، ولم تكن من جدوى أن يَنْكَأَ من جاء إلى أوسلو مُكرَّماً جراحا لم تندمل بعد، وكان رئيس الرابطة التونسيّة للدفاع عن حقوق الإنسان أكثرَ المتداولين على المنبر خفّة سياسيّة، وأحرصَهم على إثارة النعرات الأيديولوجيّة، متغافلا عن صفته الحقوقيّة وأهميّة تمثيله جميع التونسيين على اختلافهم.
لم يكن المقام يسمح بتذكّر ما تركته تلك الفترة من ندوب بقدر ما كان منتظرا أن يتّجه المتعاقبون الأربعة على المنبر بمطالب واضحة إلى أوروبا والعالم يحثّون فيها الجميع على دعم الديمقراطيّة الناشئة في تونس والمراهنة على التحوّل السلمي وتأسيس الاختيار الحرّ للشعوب بما يحقق أمنها ورفاهها وسيادتها الوطنيّة.
وممّا لاحظه التونسيون أنّ كلمة الرباعي كانت -إلى جانب محلّيتها وتواضع مضمونها- ناطقةً بما طرأ على بعض مكوّنات الرباعي من جفاء بعد وصال اقتضته المرحلة، لا سيّما التوتّر بين الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليديّة بسبب تعطّل المفاوضات الاجتماعيّة حول الأجور في القطاع الخاص. فبعد إسناد الجائزة إلى رباعي الحوار جرت مياه كثيرة في الحياة السياسيّة والاجتماعيّة في تونس.
شركاء تونس من الأوروبيين والقوى الدوليّة صاحبة المصالح الحيويّة في تونس تعلم السرّ وأخفى، تعلم ما يدور بين مكوّنات الرباعي الراعي للحوار الوطني وعن تاريخ هذه العلاقة، بل إنّ هذه الأطراف لم تكن بعيدة عمّا جدّ من لقاء بين هذه المكوّنات، خاصّة لقاء قوّة العمل ورأس المال.
لقد مثّل إسناد جائزة نوبل للسلام شهادة للتجربة التونسيّة بانسجامها مع ثقافة حقوق الإنسان والمواثيق الدوليّة والثقافة الديمقراطيّة، وجاء التكريم إشهارا لهذه التجربة وتبنّيا لمسارها في تأسيس الديمقراطيّة عقب انتفاض مواطني اجتماعي جذري هزّ المجال العربي وأربك ما بدا يظهر من ملامح لترتيبات دوليّة مع مطلع تسعينيات القرن الماضي اعتبرها الناطقون باسمها مقدّمات لنظام عالميّ جديد يقوم على أنقاض الحرب الباردة، واعتبرها مناهضوها نظاما عولميّا أكثر تماسكا وعتوّا من النظام الإمبريالي السابق بوجهيه الاشتراكي والرأسمالي.

“إدارة التوحش” و”إدارة التعارف”
مثّل إسناد الجائزة وإشهارها صدى لتقييم مركّز انتهت إليه القوى الدوليّة في تعاطيها مع ثورة المجال العربي المنطلقة من تونس، ويبدو أنّ وقوفها إلى جانب القوى المضادّة للثورة -وهو الموقف الغالب- فتح المنطقة على مرحلة من الفوضى، التي أريد لها أن تكون “خلاّقة”، على حالات من التوحّش في العراق وسوريا قابلة للتمدّد والتطوّر العمودي في مدارك التوحش، وليس مضمونا التحكم بمآلاتها.
ولعلّ أولى نتائج هذه المآلات بداية تفكك الأسس التقليديّة لما عرف بالدولة الوطنيّة، وتأسس كيانات جديدة لم تتضح منزلتها في قاموس سوسيولوجيا الدولة الحديثة، مع غموض في طبيعة هذه الكائنات السياسية الجديدة، وما سيكون بينها من علاقات وعلاقتها بالوضع الدولي ومعادلته التقليدية.
كان النظام العولمي الجديد في مجمله مضادّا لثورة المجال العربي، واجتهد في أن يخضعها لسياق إستراتيجيته في الفوضى الخلاقة التي دشّنها بتهشيم العراق، غير أنّ “الفوضى الخلاقة” استحالت “توحّشا” صارت نيرانه تمثل خطرا، وإن عُدّت في بعض وجهات النظر “نيرانا صديقة”، وأصبح من الصعب ترويضه.
لذلك، مثّلت تونس منطلقا لإستراتيجية أخرى مقابلة “لإدارة التوحّش” نسميها إستراتيجية “إدارة التعارف”. وهو “تعارف جزئي” قوامه ديمقراطيّة تمثيليّة لا تمكّن من تحقيق التحرر الوطني المنشود، في حين تمثّل الديمقراطيّة التشاركيّة “التعارف التام” المأمول، وأفقا لثورة الحريّة والكرامة ثورة الألفيّة الثالثة.
كأنّ القوى الدوليّة صاحبة المصالح التقليدية استقرّت عند المزاوجة في المجال العربي بين “إدارة التوحش” و”إدارة التعارف”، وتبدو لهذا التوجّه علاماته في اللقاء الروسي الأميركي في سوريا بهدف صياغة جديدة للوضع في المنطقة وما جاورها.
مثّلت تونس إمكانا “لإدارة التعارف” على إيقاع هبّة جماهيريّة سرت في المحيط العربي جدّدت الأمل في الانتصار على الاستبداد وافتكاك المجال العام وتحقيق الانتقال التاريخي من وضع “السكان” إلى منزلة “المواطنين”، لذلك صمدت تونس بشروطها الذاتيّة لتثبت “استثناءها”.

إقرأ أيضا: تونس بعد “نوبل للسلام”

ووجد هذا الاستثناء هوى عند أصحاب المصالح التقليديّة من القوى الإقليمية والدوليّة، وكانت جائزة نوبل رسالة بليغة في هذا الاتجاه، والتزاما أخلاقيّا قويّا على الطبقة السياسية في تونس أن تفهمه لكي لا تخطئ في أصحاب الجائزة الحقيقيين من ثوار الهامش المفقّر، دون غمط جهد مستحقيها الفعليين من منظمات المجتمع المدني في تونس.

من التوافق إلى التسوية
عرفت تونس -بعد الثورة- ثلاثة لقاءات كبرى طبعت الحياة السياسيّة، وكان لها دور فعّال في رسم التحالفات وضبط ميزان القوى، لقاءات تبدو غريبة عند من لا يدقّق في مفردات الحياة السياسيّة ومناويلها في التفكير.
وتَمثَّلَ اللقاء الأول في التحالف بين القوى اليسارية ومجاميع من النخبة الفرانكفونيّة ومن اعتبروا أنفسهم حرّاس النمط التونسي الحداثي والمنظومة القديمة. ويذكّر هذا اللقاء “بلجان تفكير التجمع” التي شكلها بن علي مطلع التسعينيات لمواجهة الإسلاميين.
كان من نتائج هذا اللقاء -بعد انتخابات المجلس الوطني التأسيسي- توفير الغطاء السياسي لعودة القديم تحت جناح قوى يساريّة كان لبعض تعبيراتها مساهمةٌ في مواجهة الاستبداد وفي “تسييس” قوى المجتمع المدني النقابيّة والحقوقيّة والاجتماعيّة.
وأمّا اللقاء الثاني فقد جمع اتحاد العمّال واتحاد الأعراف لإطلاق الحوار الوطني، وكانت المناسبات التي جمعت قوّة العمل ورأس المال قليلة في تاريخ تونس. وتاريخيا كان لهذا اللقاء بين قوة العمل ورأس المال أثر بالغ على مآلات الصراع الذي عرفته تونس وعلى بنية الدولة ومشروعها التحديثي، كما كان تأثيره بارزا على التجربة التأسيسيّة في 2011 وما عرفته من تعثر.
وأمّا اللقاء الثالث فقد كان بين الحزبين الأكبر نداء تونس وحركة النهضة، وكان الانطباع الغالب هو أنّه لقاء غير طبيعي بسبب ما كان بين العائلتين الدستوريّة والإسلاميّة من مواجهات كانت خسائرها الماديّة والرمزيّة فادحة، في مرحلة الاستبداد.
وترى أطراف من الجهتين أنّ التقاء العائلتين من أهمّ شروط الديمقراطية الناشئة، وأنّ التقاءهما يمثّل تجاوزا لصيغة التجمع الدستوري الديمقراطي التي كانت القاعدة السياسيّة لحكم بن علي. وقد مثّل التجمع ولجان تفكيره “منوال استئصال” ما زال صداه قويّا في أزمة نداء تونس وما يعرفه من انشقاقات تنذر بانهياره.
كانت محصّلة هذه اللقاءات التاريخيّة الثلاثة ما تعيشه البلاد اليوم من أزمة حكم عميقة، من أبرز مظاهرها تفاقم الانهيار الاقتصادي والعجز عن تحقيق الأدنى من الاستحقاقات الاجتماعيّة العاجلة، في المستوى الاجتماعي والاقتصادي والخروج عن روح الدستور وقوانينه، والتردّد في بناء مصالحة وطنيّة حقيقيّة على قاعدة قانون العدالة الانتقاليّة في المستوى التأسيسي، وتيهٌ في السياسة الخارجيّة، وغيابٌ دبلوماسيّ شبه تام عمّا يُرتَّب من حلول إقليميّة في الملفات السياسيّة المهمّة، وعلى رأسها الملفّ الليبي.
لم تكن المعادلة السياسيّة المنبثقة عن الانتخابات التشريعيّة والمتجسّدة في لقاء النهضة والنداء وتشكيل الائتلاف الرباعي الحاكم توافقا مثلما يروّج له، بقدر ما كانت تسوية سياسيّة. ولئن كان لهذه التسوية السياسيّة دور في منع الاحتراب الأهلي وانهيار مرحلة الانتقال الديمقراطي فإنّها أورثت وضعا سياسيّا هشّا وأزمة حكم بنيويّة.

من التسوية إلى التوافق
يبدو “التوافق” أكثر المحصلات السياسيّة حضورا في الخطاب الإعلامي والسياسي، ويُسوّق خارجيّا على أنّه محصّلة وطنيّة، ولكنّه يُرَدّ داخليّا إلى مجرّد التقاء بين حزبي الأغلبيّة البرلمانيّة النهضة والنداء، ويتقاطع في هذا الرأي خصوم النهضة العقائديين من اليسار الماركسي والفرانكفوني ومنافسيهم من القوى المسمّاة ديمقراطيّة اجتماعيّة.
تبدو “سرديّة التوافق” القريبة من العنوان السياسي الجديد المتمثل في حراك تونس الإرادة أكثر جذريّة، وتستند هذه السرديّة إلى وجهة نظر ترى أنّ التوافق حاصل في تونس قبل انطلاق الحوار الوطني، وتذهب إلى أنّ التوافق انطلق مع الإجماع على فكرة “المجلس الوطني التأسيسي”، وما كان من انتخابات تأسيسيّة تاريخيّة في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2011، وما نتج عنها من تفويض سياسي لتسيير مرحلة التأسيس الدستوري.
غير أنّ هذا التوافق اهتزّ منذ الأشهر الأولى لتشكيل حكومة الترويكا الأولى بسبب عدم القبول بالنتائج السياسيّة للانتخابات، وغلب على المرحلة الاضطراب السياسي، وحدّة المطلبيّة الاجتماعيّة، واهتزاز الحالة الأمنيّة تحت تأثير جريمتي الاغتيال السياسي؛ اغتيال القيادييْن بلعيد والبراهمي، وكان الحوار الوطني خروجا من التوافق إلى التسويّة.
كانت التسوية تتأرجح بين لقاء يساري/ندائي يُعيد صيغة “التجمع الدستوري الديمقراطي” ولقاء نهضوي/ندائي يجرّب لقاء اللدودين لأوّل مرّة في تاريخ تونس المعاصر. ومع الانتخابات التشريعيّة في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2014 وتشكيل حكومة السيّد الحبيب الصيد، توضّح طرفا التسوية، وعُدّ انشقاق نداء تونس صورة سياسيّة منها.
كان الحوار الوطني بقيادة الرباعي مقدّمة للخروج من التوافق إلى التسوية، ولم يكن مؤهلا للوصول بالبلاد إلى توافق واسع هي في أمسّ الحاجة إليه للخروج من الأزمة الخانقة، وتَجَسّد منحى التسوية في جعل الحوار مشروطا بخارطة طريق رُسمت قبل انطلاقه، وهو ما يُسعف الذين لم يقبلوا بالدخول المشروط إلى الحوار الوطني، يوم افتتاحه، بالقول إنّهم رفضوا التسوية ولم يرفضوا التوافق ولا الحوار الحقيقي باعتباره طريقا إليه.
في هذا السياق، أطلّ حراك تونس الإرادة بخطاب سياسي لم يظهر فيه بصورة المنقذ وإنّما بصورة الداعي إلى إنقاذ جماعي للبلاد ممّا تردّت فيه، وفي ذلك إشارة قويّة منه إلى أنّ الأزمة الحالية، رغم مسؤوليّة الفريق الحاكم المباشرة عنها، تبقى أزمةً تعني كلّ الطبقة السياسيّة، وأنّ الخروج منها لن يكون إلا ببناء أرضيّة توافق وطني من ثلاثة أركان: خطّة وطنيّة لمقاومة الفساد، وإستراتيجية وطنيّة لمكافحة الإرهاب، ومنوال تنموي جدي بأفق تضامني. وتمثل هذه الأركان أساس المصالحة الوطنيّة المنشودة، عندها يمكن الحديث عن مشترك وطني على أرضيّة دستور الثورة.

* أكاديمي وباحث تونسي/ “الجزيرة”