الرئيسية / وجهات نظر / تعديل الدستور ولعبة النظام الجزائري النمطية
AZRAJE OMAR

تعديل الدستور ولعبة النظام الجزائري النمطية

أخيرا، حوّل جهاز رئاسة الجمهورية مسودة مشروع دستور البلاد إلى الأحزاب وإلى ما يسمى بالشخصيات الوطنية للنظر فيها، علما أن هذا الإجراء لا يعني السماح لهذه الجهات بأن تحدث تغييرا جوهريا في هذه المسودة، وإنما المقصود هو اكتساب الشرعية فقط. ولقد صار واضحا أيضا أن البرلمان ومجلس الأمة هما الجهتان اللتان ستصادقان عليه وأنه لن يقدم للاستفتاء الشعبي، ويعني هذا أن الشعب الجزائري أصبح يعامل، كالعادة، مثل المستشار العربي الذي لا يستشار إذا حضر ولا يسأل عنه إذا غاب، كما يقول المثل السائر.
الملاحظ هنا أن تعديل الدستور جاء من طرف النظام نفسه من أجل تحقيق أهدافه ودون إشراك المجتمع المدني يتم في جو من الغموض والسرية، الأمر الذي يتناقض مع تقاليد العمل الديمقراطي، ومع رغبة المواطنين والمواطنات في المشاركة المباشرة في إنجاز هذه الوثيقة التي يفترض أنها تعني الجميع وليست الشلة القابضة على السلطة فقط. وخلال هذه الأيام يروّج بعض المقربين من رئاسة الجمهورية إلى أن التعديلات التي أدخلت حتى الآن على الدستور القديم ليست راديكالية، رغم بعض الإشارات التي تشير إلى أن الصيغة الجديدة لهذا الدستور سوف تقلص عهدة الرئيس المقبل إلى عهدة واحدة ويمكن توسيعها إلى عهدة ثانية فقط، كما أن اللغة الأمازيغية قد يتم ترسيمها بعد أن تم الاعتراف بها في الدستور السابق كلغة وطنية.
وفي الحقيقة فإن تقليص العهدة الرئاسية لا يعتبر حدثا سياسيا جديدا بل إن هذا التقليص هو مجرد إحياء للبند القديم الذي تضمنه دستور مرحلة ما قبل بوتفليقة وألغاه هذا الأخير ليشرع لنفسه أربع عهدات متتالية رغم رفض المعارضة وامتعاض الشعب الجزائري. كما أن الاعتراف باللغة الأمازيغية على طريقة النظام الجزائري لا يعني بأي شكل من الأشكال إدخال هذه اللغة في دورة العمل بالإدارات، وفي مسرح الحياة اليومية على المستوى الوطني، أو إخراجها من المرحلة الشفوية البدائية إلى مرحلة التدوين المتطور. إن جميع المؤشرات والتجارب السابقة تؤكد أن اللغة الأمازيغية توظف دائما من طرف النظام الجزائري لغايات انتخابية، ولتنويم المعارضة الأمازيغية التي تم تدجينها وتحويلها إلى مجرد فولكلور محلي.
وفي آخر تصريح للأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني عمار سعداني، قال فيه إن تعديل الدستور سيتضمن بندا ينصّ على إسناد مهمة تشكيل الحكومة لحزب الأغلبية في البرلمان وفي مجلس الأمة مما يعني أن حزب جبهة التحرير الوطني، الذي يملك الأغلبية البرلمانية حاليا، هو من سيتولى شأن حكومة الأغلبية المقبلة. إن هذا التصريح يلمح طبعا إلى الصراع الدائر داخل معسكر الموالاة وخاصة بين عمار سعداني وبين أحمد أويحيى الذي يقود في الوقت الراهن حزب التجمع الوطني الديمقراطي بعد إزاحة عبدالقادر بن صالح منه منذ عدة أشهر.

إقرأ أيضا: هل التعجيل بتعديل الدستور دليل على نهاية وشيكة لعهد بوتفليقة؟

وحسب عمار سعداني، فإن تعديل الدستور سوف يفجّر “مفاجآت ستكتشفها المعارضة”. فما هي هذه المفاجآت إذن؟ وهل يمكن أن يحدث الرئيس بوتفليقة قطيعة مع موروثه الانفرادي بالحكم الذي رسمه في الدستور الذي صممه حسب مقاسه على مدى سنوات طويلة من حكمه. إن المفاجآت التي يلوّح بها الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني كان قد كشف عنها سابقا وهي تتمثل حسب أقواله في توسيع فضاء النشاط الحزبي، وفي إدخال الجزائر في “عصر” الدولة المدنية، وفي تقليص ظل الأجهزة الأمنية في الحياة السياسية. وفي الواقع فإن كل هذه الوعود لن تتجسد لأن الثقافة القاعدية للدولة الجزائرية منذ الاستقلال إلى يومنا هذا مؤسسة على ثالوث ثابت ونمطي ويتمثل في حكم العسكر والأمن من وراء الستار، وفي تقاسم رئيس الدولة الكعكة مع هذين الجهازين، وفي تزيين النظام الحاكم نفسه بحزب يقدمه كواجهة له.
لا شك أنه من الصعب جدا إحداث خلخلة في هذا النمط من الثقافة التي يعيد إنتاجها باستمرار كل رئيس جزائري لأن تغيير البنية الثقافية مشروط أصلا ببناء الإنسان الديمقراطي والمؤسسات الديمقراطية، وهذا غير متوفر حتى الآن في البنية العامة للمجتمع الجزائري الذي يتميز بأنه مجتمع السادة والرعايا الذين يقادون مثل القطيع. أما تسليم أمر تشكيل الحكومة لحزب الأغلبية فهو خرافة لأن النظام السياسي الجزائري ليس برلمانيا بل هو فسيفساء وخليط من العسكري والأمني، والمحلي، والعشائري، والشللي، وشبه السياسي المفرغ من أخلاقيات ومبادئ العمل السياسي والاجتماعي، ويضاف الآن إلى هذه العناصر عنصر خطر مستحدث بشكل منهجي مخطط له ويتلخص في فتح المجال لغزو القطط السمينة لسوق السياسة وخاصة رجال الأعمال وأصحاب الأموال الطائلة الذين صنعهم النظام الحاكم بدءا من مرحلة الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، وتعمق هذا السيناريو بشكل لا مثيل له في تقاليد الحياة الوطنية الجزائرية في فترة حكم الرئيس بوتفليقة على مدى 16 عاما كاملة.
كيف يمكن أن يؤسس الدستور الجديد، الذي ينتظر أن يطلق من “الحبس” في شهر يناير من عام 2016، للحريات، وللديمقراطية في الوقت الذي يقوم فيه الرئيس بوتفليقة بتعيين حتى الكتاب العامين للمحافظات (الولايات) والدوائر علما أن هذه المهمة هي من صلاحيات وزارة الداخلية فقط. إن هذا الإجراء الانفرادي قد حدث في هذا الأسبوع فقط. ثم كيف يمكن أن يخترع هذا الدستور الحريات في الوقت الذي تقفل فيه أبواب أي صحيفة أو قناة تلفزيونية تنشر مقالا ينتقد السلطة أو تحاور شخصية معارضة لا يرضى عنها الرئيس أو حلفاؤه وحواريوه.

*كاتب جزائري/”العرب”