الرئيسية / وجهات نظر / الليبيون والخيار الديمقراطي
OLYMPUS DIGITAL CAMERA

الليبيون والخيار الديمقراطي

من أهم الانطلاقات الأولى في ليبيا بعد نجاح ثورة 17 فبراير (شباط) هو التأكيد على الخيار الديمقراطي٬ باعتباره أفضل خيار سياسي ثبت نجاحه في بلدان المنشأ٬ وهي البلدان الأوروبية ومن تأثر بها في آسيا وأفريقيا والأميركتين٬ وهي البلدان التي أبدعت فكر وقوانين ونظم الدولة الحديثة والتي ما زال كل العالم يقتبس منها سياسًيا وإدارًيا وتعليمًيا ومالًيا٬ ولولا خيارها الديمقراطي لما حققت تلك الدول الإنجازات الحضارية الكبرى في مجالات عدة. وفى ليبيا الجديدة بدأ المشوار الديمقراطي بتاريخ 2012 – 7 ­ 7 عندما جرت أول انتخابات ديمقراطية لاختيار أول مجلس نيابي.
ونظًرا لأنها أول تجربة ديمقراطية فقد شابها الكثير من القصور والعجز أحيانا في معالجة المشكلات معالجة صحيحة٬ ومن أهم ميزات الخيار الديمقراطي أن يعطى الناس فرصة لتصحيح الأخطاء بالطرق السلمية٬ ومنها أن يتعلم الناخب في كل مرة مؤهلات من يعطيه صوته في كل دورة انتخابية٬ وبذلك يكون الخيار الديمقراطي الخيار السياسي الوحيد للتداول السلمي على السلطة وآليته الاقتراع السري٬ ومحور الديمقراطية الإنسان ذكرا أو أنثى.
وبذلك يكون التمثيل للمدن والقرى يعتمد على عدد السكان٬ وليس على الجغرافيا أو التاريخ٬ مثلما حدث في لجنة الستين التي فرضها مفهوم تاريخي مضى عليه أكثر من ستين عاًما. وإذا كان كل المواطنين متساوين في الحقوق٬ فلا معنى بل من الظلم الحديث عن الأقاليم والجغرافيا بشكل يساوي بينها في عدد ممثليها.

إقرأ أيضا: اتفاق «الصخيرات» ومستقبل السلام في ليبيا

ومن الأمور المهمة أيًضا في النظم الديمقراطية أنها تعتمد على الإدارة المنظمة المنضبطة٬ فلا يصرف أي مبلغ من المال إلا بناء على خطط مدروسة وأثناء التنفيذ تكون هناك متابعة ومراقبة. والجهاز التنفيذي٬ أي الحكومة٬ هو المؤسسة المسؤولة عن كل الخدمات والمشروعات والرواتب والأجور٬ والسلطة التشريعية لا علاقة لها بكل هذه الأمور٬ والشعب الذي لا يعي ذلك سيخطئ في تقدير مكان المسؤولية٬ مثلما يحدث الآن أحياًنا في الظن بأن المؤتمر العام هو المسؤول عن بعض الخدمات أو تأخر المرتبات أو علاج المرضى وما شابه٬ وهذه الظنون في أغلبها ترجع إلى نقص الخبرة في التعامل مع مؤسسات الدولة التي يجب أن تنفصل فيها السلطات٬ وهو ما لم يتحقق بسبب المرحلة الانتقالية وصعوباتها٬ وهنا يأتي دور التوعية الإعلامية التي تكاد تكون غائبة٬ حيث جل البرامج الإعلامية تركز على الموضوعات السياسية والصراعات بين الكتل والتيارات السياسية الناشئة والتي هي كذلك تحتاج إلى سنوات حتى تعرف كيف تتعامل مع مقتضيات العمل السياسي.
ليبيا بلد قليل السكان كثير الموارد الاقتصادية٬ فقير في الكفاءات والخبرات؛ ولذلك يمكنه أن يستعين بالخبرات الدولية والدول المهمة التي ساعدته في التخلص من نظام الحكم السابق على استعداد كامل للمساعدة في بناء مؤسسات الدولة على أسس حديثة٬ وتلك هي سمات العصر في تبادل المصالح٬ ومن الضرورة أن تستفيد ليبيا من ذلك٬ وأن تختار ما يناسبها من أنواع العروض والشركات. لا شك أن الخيار الديمقراطي هو الذي سيمكن المواطن الليبي من التمتع بالحرية والتفكير والتعبير واختيار من يمثله في أعلى سلطة تشريعية٬ والمواطن في مؤسسات الدولة هو الذي سينفذ الخطط والمشروعات٬ وكل عائدات النفط والغاز ستكون بين يديه وهو المسؤول عن حسن توظيفها أو عن سوء تبديدها وسرقتها. ومن حسن الحظ أن كل الدول القوية وقفت مع الشعب الليبي للتخلص من السلطة الاستبدادية٬ وهي الآن تقف معه في بناء دولته الحديثة الديمقراطية٬ وتريد الاستقرار للبلاد لأنها تريد أيًضا أن تشارك في أعمال الاستثمار لتستفيد من ثروات الوطن٬ الذي يحتاج إلى بناء مشروعات عدة وكبيره٬ حتى يزدهر وتسوده ثقافة النهوض والتمتع بخيراته على أسس عادلة.
وتظل الديمقراطية هي الخيار الوحيد الذي يساعد على التبادل السلمي وتحقيق التقدم الاجتماعي والاقتصادي٬ وإذا فرطت القدرات السياسية فيها فسيندم الجميعحين لا ينفع الندم.

*السفير الليبي لدى بريطانيا/”الشرق الأوسط”