الرئيسية / وجهات نظر / أجمل ما في رام الله
b994a44b912595b1e01936bd3fd09bbc

أجمل ما في رام الله

وسط مدينة رام الله، عند دوّار المنارة، حيث تقع تماثيل الأسود الخمسة التي تزينه، ثمة شارع طويل تلمحه عيناك في مقابله، يُطلَق عليه شارع “الحسبة”، قد تطغى عليه صفة البؤس، على الرغم من محاولات البلدية توسيعه، وتعبيد شوارعه، وتزيينه ببعض الأشجار، إلا أنه لم يفقد رونقه وأصالته، وتميزه عن بقية شوارع رام الله الفاخرة.
على رصيفي الشارع، احتفظت محلات قديمة مصطفة بعمرانها القديم، ولم تمسسه يد المَدَنية الجديدة. احتفظت بالأسلوب نفسه في تصفيف البضائع وتراكمها، ووجود أكياس “شوالات” كثيرة أمام أبوابها. وتلحظ، في هذه المحلات، بضائع قد لا تتوفر في مكان آخر، منها الصابون النابلسي، وليف الحمام القديمة المصنوعة يدوياً، وعشبات لا توجد إلا عند عطاري هذا الشارع.
هناك المقاهي القديمة التي يرتادها زوار منذ عقود، عجائز كبار، وشباب يدخنون النارجيلة، ويشربون الشاي، وطقوسه لازالت على الطريقة العثمانية، بإبريق كبير، يوضع على النار، وفوقه إبريق آخر للماء المغلي لتخفيفه. يقدمون الشاي بالطعم نفسه، وهو موروث تناقلته الأجيال. وتزين حائط المقهى صور قديمة، تعود إلى عشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته، وعلى الحائط، أيضاً، معلقات تراثية.
في منتصف الطريق، تبدأ الرحلة مع سوق الخضار المركزي، حيث تصطف على طول الشارع نسوة قرويات، يبعن من خيرات أرضهن لأهالي المدينة. عشرات النساء في الستين من العمر أو أكثر، ينافسن، بكل إصرار الخضار الذي يأتي من السوق “الإسرائيلية”. تجلس كل واحدة بلباسها الفلاحي البسيط، فستان طويل وتحته بنطال، ويرفع ذيل الفستان حزام على الخاصرة، من أجل تسهيل الحركة، وشال أبيض يلف الرأس، وأحياناً، تغطي المرأة نصف وجهها من حرارة الشمس. يتحركن بقوة وعزيمة، وكأن الزمن لم يستطع أن يمس من حيويتهن، يتبادلن الحديث (أو أطرافه على الأصح) مع المارة والزبائن والبائعات الأخريات، والبسمات دائماً تعلو وجوههن. يتحدثن عن نضالهن وظروفهن القاسية، وكيف يكسبن رزقهن، فواحدة زوجها أسير قديم وتوفي، وثانية زوجها استشهد، وثالثة أبناؤها في الأسر لدى الاحتلال الإسرائيلي، وأخرى تركها زوجها، وسافر إلى أميركا أو البرازيل منذ عقود، ولم يعد.
عمر هذه “البسطات” سنوات، واعتادت النسوة الجلوس هناك، تعلمن لغة البيع بسهولة، خصوصاً وأن السوق المركزي ينافسهن. محترفات مع طيبة “لسان حلو”، يدعون لك، فتتلمس طيبة لم تعهدها، طيبة عريقة أصيلة من عجائز كبار. بعد أن تمر من بسطاتهن، تنطر إلى المباني القديمة، وكأن هذا الشارع احتفظ بأصالته، وحافظ على ولائه لأصحابه على مر السنين، وتشعر كأن الأبنية تسرد لك قصصاً قديمة، وحكاية من مروا من هناك منذ عقود.
يحرص الأجانب القادمون من الغرب على ارتياد هذا الشارع تحديداً، وتلحظهم أكثر أيام الجمعة، حيث تنتشر فيه البسطات، لبيع الأثاث المستعمل والقديم. وعلى الرغم من اختلاطها مع السلع القادمة من تركيا والصين ومصر وغيرها، إلا أن من يحب اقتناء الأثاث القديم (الأنتيك) يحرص على زيارته في ذلك اليوم، لعله يظفر بقطعة نادرة.
وقد أصاب رام الله تطور عمراني ميّزها، باعتبارها المحطة المركزية للسلطة الفلسطينية وللحكومة ولمنظمة التحرير الفلسطينية، حيث المولات منتشرة فيها، ولا تختلف أسماؤها عن أسماء مثيلاتها في العاصمة الأردنية (عمان) جارتها. وثمة الشوارع المعبدة، وعلى أرصفتها تصطف أزهار وأشجار وأضواء. وثمة العمارات الشاهقة على الطراز الغربي، إلا أن للشارع الطويل، في وسط المدينة، طابعاً مختلفاً عن وسط أية مدينة في العالم.
هو شارع قديم أصيل، احتفظ برونقه، وبقي لأصحابه الفلاحين الذين يأتون من القرى القريبة للمدينة، مكاناً للرزق. في مقاهيه يجتمع المثقفون والأدباء والصحفيون، ويلتقي قادة فلسطينيون، ويرتادها عامة الناس. فيه مكاتب قديمة لقيادات فلسطينية، خصوصاً من اليسار، ولأساتذة جامعيين، احتفظ غالبيتهم بها لاعتزازهم بالمكان، خصوصاً أنه يطل على شارعٍ، كله تاريخ وكفاح. كما احتفظوا فيها بالأثاث القديم والصور القديمة التي يعود عمرها إلى عقود طويلة، تتناسق مع الشارع نفسه.
الضجيج الصادر عن الزحمة في الشارع، منتصف النهار، أو أصوات أبواق السيارات، بسبب ازدحام المارة، لم يثن كثيرين عن زيارته. قد تزوره لتميزه، أو لأنك قد تشتري الخضار بأسعار أقل، أو لأنك اعتدت ارتياد المكان، أو لأنك تريد أن تساهم بدعم امرأة مسنة أرملة، تعتاش من بسطتها. هناك أسباب كثيرة، ولكن، لا شك أن للمكان حكاية.
قد تمشي في الشارع وأنت فرح، فتراه يفرح معك، وقد تمشي وأنت حزين فتراه يواسيك. فيه تستطيع أن تكون أقرب إلى نفسك، تهرب فيه لماضٍ بعيد أنقى. في شارع “الحسبة” حكايات من التاريخ، وعن الكفاح، وأيضاً عن بؤساء وفقراء في مدينة عريقة، اسمها رام الله.
“العربي الجديد”