الرئيسية / وجهات نظر / أيتام في قصر الرئيس
18aa63ae38e5d6a9ba78a114124f409b

أيتام في قصر الرئيس

سألته مقدمة برنامج في قناة “سي إن إن”: سيدي الرئيس، لقد أسرت خيال العالم، لأنك معروف بأنك أفقر رئيس في العالم، واخترت العيش في بيتك الأساسي، ولا تعيش في القصر الرئاسي، هل يمكن أن تقول لي ما الذي يعطيك الدافع، وكيف أثّرت سنواتك الأربعة عشر في السجن على طريقة حياتك اليوم؟ أجاب الرئيس: كانت سنواتي في السجن بمثابة ورشة عمل صقلت طريقة تفكيري وقيمي، أنا لست فقيراً، فالفقراء هم الناس الذين يحتاجون إلى الكثير، وهذا مثيرٌ للضحك في الحقيقة. أنا متقشف، لا أحتاج إلى الكثير للعيش، أعيشُ بالطريقة نفسها التي كنت أعيشها قبل أن أصبح رئيساً في الحي نفسه، في المنزل نفسه وبالطريقة نفسها. أعيش بالأسلوب الذي تتبعه الأغلبية في البلاد، والأغلبية صوتت لي، وأنا أنتمي إليهم. ناس كثيرون يحبون المال، لكن، لا ينبغي أن يوجد مثل هؤلاء في السياسة.
أتحدث هنا عن صاحب سلطات إنسانيّة لم يتسلق إلى الخارج، مثل كثيرين غيره من السياسيين والزعماء، بل “عربش” على جدران الداخل، بحث واستكشف، فاستخرج منها مصابيح الخير والعطاء المضاءة بالنقاء، على عكس من تعودنا عليهم، ويمتدّون كجذوع القرع إلى خارجهم، ويعمدون إلى استنباط الدهاء، واختراع أساليب الغش والخداع والقتل مع شعوبهم. فسلاح السياسيين مشكوك في نزاهته، اللهم إلا القلة القليلة التي شذت عن القاعدة.
أتحدث هنا، يا رعاكم الله، عن رئيس الأورغواي، خوسيه موخيكا، والذي جسّد أسطورة فريدة في العدل والمساواة والتقشف والاهتمام بالفقراء والمساكين، بمن فيهم المشردون. نحن أمام أكثر رؤساء العالم تقشفاً، وقد صنف أفقر رئيس في العالم وأكثرهم سخاءً، لكونه لا يحتفظ سوى بـ 10% من مرتبه الذي يبلغ شهرياً 12 ألفاً و500 دولار أميركي، ويتبرع بالباقي للجمعيات الخيرية. وهذا يعني أن راتبه الفعلي الذي يتقاضاه، هو 1250 دولاراً شهرياً فقط. وعن ذلك،  يقول موخيكا إن المبلغ الذي يتركه لنفسه يكفيه ليعيش حياة كريمة، بل يجب أن يكفيه، خصوصاً أن كثيرين من أفراد شعبه يعيشون بأقل من ذلك بكثير”. وبسبب أسلوب حياته هذا، حظي بلقبين (الأفقر والأكثر سخاءً)، وهما لقبان لم يحظ بهما أي رئيس آخر في العالم.
يعيش خوسيه موخيكا، منذ توليه الرئاسة في مارس/آذار عام 2010، في بيت ريفي في مزرعته، ويرفض العيش في القصر الرئاسي، ولا يتمتع بالحراسة المشددة. ليس ذلك فحسب،  فالرئيس الفقير ينشغل شتاءً بالتفكير في الفقراء والأيتام والمعوزين، وهذا هو المبتدأ الذي دفعني للكتابة عنه، فقد أعلنت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين أن “رئيس الأورغواي سيستضيف في بيته الصيفي مائة يتيم سوري ممن أجبرتهم الحرب الأهلية في بلدهم على اللجوء إلى الدول المجاورة”، والخبر الثاني أن الرئيس نفسه كان قد “عرض، في شتاء العام الماضي، على المصالح الاجتماعية في حكومته، استعمال أجنحة في القصر الرئاسي، لتوفير المأوى للمشردين في حالة عدم كفاية المراكز الموجودة في العاصمة”!.
وتشير البيانات المتوفرة إلى أنه وخلال ولاية الرئيس خوسيه، وحسب مؤشر منظمة الشفافية العالمية، انخفض معدل الفساد في الأورغواي بشكل كبير، ووصل إلى المرتبة الثانية في قائمة الدول الأقل فساداً في أميركا اللاتينية. وبالمناسبة، لا يملك زعيم الأورغواي أسطولاً من السيارات الفارهة، وكل ما يملكه مركبة لا يتجاوز ثمنها ألفي دولار، ويسافر على الدرجة السياحية!
عزيزي القارئ: ألا يستحق هؤلاء لقب الزعماء؟ بعد أما أصبح الوصول إلى لقب “زعيم” يمر بطرق التفافية، من دون أن “يدفع” أحدهم موقفاً واحداً يؤهله لهذا المنصب؟ ألم يعطنا هؤلاء دروساً في معنى الزعامة، على أنها ضريبة لا بدّ من دفعها وعلى مدار العمر، وأن فواتيرها باهظة التكاليف، تصرف من بنك النفس البشرية التي تفيض فيها منابع الخير، لتغرق طحالب الشر، وأساسها الإيثار، ولا تقف عند حدود السياسة فقط؟
لدينا عشرات الزعامات العربية التي لاتزال على قيد الحياة، تملك مليارات تتكدس في بنوك الداخل والخارج، ولكن كم من هؤلاء هزّه وجع المشردين واللاجئين والفقراء، عندما تهزّ الريح نوافذ قصره الشاهقة، بينما تلفح وجوه وقلوب أطفال يرتجفون في بيوت عارية، أو في خيام ممزقة، ير قبون اللاشيء، ويلفّهم العدم.
كل من هم على شاكلة خوسيه موخيكا يستحقّون انحناءة صادقة، ليس فقط على إحساسهم بوجع اللاجئين والمشردين، وحسب، بل لأن ضميرهم ما زال ينبض. هؤلاء العظام في عيون رعاياهم لا يتسولون الاحترام، نعم لا يتسولونه، ولا يفرضونه فرضاً، وثمة أمثلة كثيرة في العالم، وخصوصاً في تاريخنا الإسلامي لرؤساء وزعامات رحلوا، وظلت أسماؤهم وأعمالهم حيّة وخالدة في وجدان أمتهم. كيف لا والتسابق نحو العطاء الأصيل من دون انتظار المردود مفتاح الباب الرئيس للزعامة والقيادة والرئاسة الحقيقية!
“العربي الجديد”