الرئيسية / وجهات نظر / السياسة العسكرية في ليبيا: تقدم نحو الماضي؟
f16a562b55625e594b8f40d0c125eb11

السياسة العسكرية في ليبيا: تقدم نحو الماضي؟

شُبّهت الحملة العسكرية التي شنّها رئيس هيئة الأركان السابق في ليبيا اللواء خليفة حفتر في 16 أيار (مايو) الجاري للإطاحة بالقوى الإسلامية التي تهيمن على المؤتمر الوطني العام بعزل قائد القوات المسلحة وزير الدفاع المصري المشير عبدالفتاح السيسي الرئيس محمد مرسي وجماعة «الإخوان المسلمين» الحاكمة في مصر في تموز (يوليو) 2013. وعلى المنوال نفسه اتَّهم حفتر حزب «العدالة والبناء» التابع لجماعة «الإخوان» الليبية وكتلة «الوفاء للشهداء» البرلمانية الإسلامية الأكثر تحفّظاً بـ «تعزيز الإرهاب»، ودعا السلطة القضائية لتشكيل حكومة طوارئ والإشراف على انتخابات برلمانية جديدة. كما ردّد رئيس الشرطة العسكرية العقيد مختار فرنانة، أحد الحلفاء الرئيسيين لحفتر، ما قاله السيسي في مصر حيث أكّد أن تحركهم جاء استجابة لـ «اختيار الشعب « وليس انقلاباً.
غير أن أوجه التشابه هذه تبدو سطحية وتنتهي عند هذا الحدّ. فالسياسة العسكرية التي تزداد تعقيداً، وتتمحور حول الصراع الذي يرمي إلى تحديد طبيعة القوات المسلحة الممزّقة والسيطرة عليها، هي التي أوصلت العملية الانتقالية في ليبيا إلى نقطة الانهيار.
تستند حركة حفتر إلى مشاعر الضغينة وشبكات الضباط المعهودة، ولا تغيّر بشكل أساسي الأنماط والعلاقات العسكرية السياسية التي أعاقت العملية الانتقالية حتى الآن. في المدى القريب، تزيد كثيراً من مخاطر اندلاع حرب أهلية. ويمكن لها في المدى الأبعد، في حالة مثالية، أن ترغم الأحزاب السياسية والمليشيات الثورية المتناحرة لتنطلق باتجاه الاندماج في جيش وطني موحد. غير أن الفشل، الذي يبقى أكثر ترجيحاً، من شأنه أن يعيد ليبيا إلى توترات وخصومات عقدي الخمسينات والستينات التي انتهت إلى الانقلاب الذي قام به القذافي.
اطلق سقوط القذافي العنان لديناميات جديدة تطوّرت باستمرار منذ ذلك الحين. وقد تشكّلت الانقسامات والتحالفات بين مختلف الجهات الفاعلة العسكرية ونظيراتها المدنية في هياكل الحكم الانتقالي والأحزاب السياسية التي تشكّلت حديثاً على أسس إقليمية/جهوية وقبلية ومؤسّسية مألوفة، ولكنها تتجاوزها الآن أيضاً بطرق جديدة.
ويكشف تحرك ضباط عهد القذافي ذلك بوضوح. فحفتر والعديد من كبار مؤيديه هم من بنغازي أو من مدن شرقية أخرى، ما يفسر دعم القوات الخاصة وسلاح الجو العلني له، بينما يزعم فرنانة تمثيل «المجلس العسكري للمنطقة الغربية» المستند إلى ميليشيات نفوسة-زنتان القوية.
أما خصوم حفتر فيتّهمونه ورفاقَه بالسعي لاستعادة النظام القديم، ولا ريب أن تحالفه حظي بدعم متزايد في أوساط الجنود وضباط الصف من عهد القذافي. غير أن مشاعر الاستياء إزاء التهميش الكامل تتجاوز المعسكرين الموالي والمناهض للقذافي، لأنهما مستهدفان بقانون العزل السياسي الذي صدر في تشرين الثاني (نوفمبر) 2013، والذي يحظر على أعضاء النظام السابق تولّي الوظائف العامة لمدة عشر سنوات. بالإضافة إلى ذلك لدى المعسكرين قضية مشتركة تتمثّل في رغبتهما بوضع حدّ لعمليات الاغتيال المتواصلة لكبار ضباط الجيش والمخابرات، ومسؤولين حكوميين كبار آخرين.
ثمّة أيضاً معسكر ثانٍ يستند إلى مؤسّسات الدولة، لكنه اعتمد هياكل أمنية «هجينة» منذ عام 2011. من بين رموزه اللواء يوسف منقوش، الذي شغل منصب نائب وزير الدفاع الموقّت إلى أن تم تعيينه رئيساً للأركان في كانون الثاني (يناير) 2012، وخليفته اللواء عبدالسلام جادالله العبيدي، الذي تولّى المنصب في آب (أغسطس) 2013. وإذ افتقرا إلى قاعدة مؤسسية قوية داخل الجيش، فقد اضطرا إلى التعامل مع قوات درع ليبيا، وهي الإطار الجديد الذي دفعت به مليشيات مصراته القوية في غرب ليبيا لدمج العديد من المليشيات الثورية التي ظهرت خلال وبعد انتفاضة عام 2011 ضد القذافي. وقد أثار هذا، أيضاً، استياءً عميقاً لدى الكثيرين في القوات المسلحة النظامية.
يبدو واضحاً أن السياسة العسكرية الناشئة تتمحور جزئياً حول المناصب الرسمية مثل منصب رئيس الأركان، الذي يعمل باعتباره إحدى الواجهات العديدة بين مختلف الجماعات المسلحة على الأرض ووزارة الدفاع والمؤتمر الوطني العام. وتنطبق الديناميكية نفسها أيضاً على المعسكر الثالث التي تشكّل منذ عام 2011، والذي يتمحور من الناحية المؤسّسية حول وزارة الدفاع ويضمّ أيضاً الميليشيات الثورية. فقد ألغى القذافي الوزارة في عام 1991، ولكن منذ إحيائها في عام 2011 سيطر عليها أشخاص من زنتان ومليشيات مقرّبة معادية للإسلاميين، فيما تمسّك كل من صادق مبروك وخالد الشريف، وكلاهما عضو قيادي سابق في «الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة» التي تأسّست في عام 1995، بمنصب وكيل الوزارة.
استند مبروك والشريف إلى هذا الموقع لجذب الميليشيات الثورية المتحالفة معهما لتشكيل الوحدات الرسمية الجديدة والإشراف عليها، مثل حرس الحدود والحرس الوطني. كما أن رئيس المؤتمر الوطني العام نوري أبو سهمين متحالف أيضاً مع هذا المعسكر، حيث أيّد في تموز (يوليو) 2013 قيام «غرفة عمليات ثوار ليبيا» التي تضم ميليشيات إسلامية وأخرى متحالفة معها من مدينة مصراتة لمواجهة الكتل السياسية المتنافسة في طرابلس. وكما هو متوقع، فقد أمر أبو سهمين باعتقال حفتر بعد أيام على بدء حركته هذا الشهر، متجاهلاً مبادرة السلام التي طرحتها حكومة الثنّي في 19 أيار.
لا يبدو أن أياً من هذه التحالفات والأنماط ثابت. على سبيل المثال، أبو سهمين يتحدّر من الأقلية الأمازيغية في ليبيا، في حين أدرج زميله الأمازيغي أسامة الجويلي عدة كتائب ثورية من الزنتان في مرتبات وزارة الدفاع خلال فترة تولّيه منصب الوزير في 2011-2012. وبالمثل، بينما تم تشكيل حرس المنشآت النفطية من ثوار سابقين يخضعون لقيادة وزارة الدفاع، تهيمن ميليشيات الزنتان على فروعه الغربية والجنوبية الغربية، وفي أواخر عام 2013 انضمّ فرعه الشرقي إلى تمرّد قاده الفيديراليون الذين ساندوا حفتر هذا الشهر.
وكما حصل في عام 2011، ربما تنقسم القوات المسلحة الليبية وتتمزّق مرة أخرى، ما يجعل قدرتها على البتّ في ميزان السلطة السياسية موضع شك إلى حد بعيد. غير أن ضعف وتفكّك هيئات الإدارة المدنية في البلاد يشير إلى أن السياسة العسكرية هي التي ستوجّه حسم المناقشات الخلافية حول توزيع السلطة والثروة، على نحو يشبه كثيراً ما حدث في الانتقال من عهد الملكية إلى الجمهورية في عام 1969. لا تزال هذه المناقشات في حالة تقلّب مستمرّ، وزادها تعقيداً انخراط المليشيات الثورية القوية في المعادلة.
“الحياة” اللندنية