الرئيسية / وجهات نظر / فرص النجاح أمام اتفاق الصخيرات
محمد الاشهب

فرص النجاح أمام اتفاق الصخيرات

هل يؤدي اتفاق الصخيرات إلى تلمّس معالم الطريق لبناء دولة ليبية غير فاشلة؟ ربما كان طرح السؤال بصيغة انبعاث الآمال أقلّ إغراقاً في التفاؤل، ولا يزال على الفرقاء الليبيين المتناحرين أن يبدوا مقداراً أكبر من المرونة والتنازل للإمساك بالخيط الرفيع الذي يقود إلى زرع الثقة.
أكثر الإشارات مبعثاً إلى رجاحة هذا الاعتقاد، وصف الاتفاق بأنه لا يجسد المنتهى، فالتوصل إلى نصف حل أفضل من ترك ما تبقى من البلاد يغرق في مستنقع الفوضى والاقتتال ودروب المتاهات التي تغري أشد التنظيمات الإرهابية تطرفاً باللجوء إلى هناك. لطالما ساد الاعتقاد بأن اللجوء سياسياً وإنسانياً يكون من أجل الاحتماء من التصفيات وهدر الأرواح، لكنه تحوّل إلى لجوء من نوع آخر، ينشر الرعب ويهدم كل ما له صلة بالحضارة وحياة الإنسان.
فطن الفرقاء المتصارعون، أو اضطروا إلى الانصياع لإرادة أكبر من نزوات ونزعات التدمير الذاتي الذي يهلك الزرع والنسل. وسواء كان ذلك بفعل رجاحة الاعتقاد بخطأ السير في غير اتجاه المصالحة الوطنية، أو نتيجة ضغوط المجتمع الدولي والشركاء الأوروبيين تحديداً، فإن إرادة بلورة الاتفاق بكل ما له وما عليه، تحتاج إلى أفعال ملموسة على الأرض، ليس أقلّها إبرازاً أن الليبيين في إمكانهم أن يتناسوا خلافاتهم، وأن يندمجوا في الأفق الجديد الذي تمنحه اللحظة الراهنة. فالخلاف بين الفرقاء يمكن أن يستمر وتعلو نبرات، إلا أن آليات ووسائل التعبير عنها تكون أجدى، إذ تتحول إلى خلافات الأفكار والرؤى المعبر عنها بكل حرية تحت سقف دولة الوحدة.
في تجربة رائدة أن دولة قائمة كان اسمها ألمانيا الشرقية، لها عاصمتها وعلمها ورئيسها وحكومتها وعلاقاتها الدولية، تبخرت ذات يوم تاريخي واندمجت في رحم دولة ألمانيا الموحدة التي صارت مثالاً في القوة الاقتصادية والنفوذ السياسي، ولم يبد أي طرف الحسرة على ما ضاع منها، لدى انصهار إرادة بناء الوحدة. ولأننا في صدد رصد التحولات، فإن أشدّ أنواع الحروب فتكاً ودماراً دارت رحاها بين فرنسا وألمانيا، ثم انبرى البلدان إلى وضع الأسس الأولى لبناء منظومة الوحدة الأوروبية، عبر وفاقهما التاريخي الذي انعكس إيجاباً على كل الفضاء الأوروبي.

إقرأ أيضا: نافذة الأمل الليبية تفتح من الصخيرات

لا يهم فارق الأحداث والمعطيات، وما من طرف اقتنع بأن دولة ما يمكن أن تمضي بحكومتين وبرلمانين وما لا يعد من مراكز النفوذ العسكري في غياب الأمن والاستقرار وهيمنة السلاح واستئثار الميليشيات. والسنوات المأسوية التي انقضت منذ إطاحة نظام العقيد معمر القذافي، كانت كافية للاستدلال أن منطق الثورات التي تأكل أبناءها لا يصلح لبناء نظام بديل. عدا أن حجم الأخطار لم يعد مقتصراً على رقعة الحدود الليبية المفتوحة على المجهول.
بيد أن الطريق إن كانت سالكة أمام التصديق الدولي على اتفاق الصخيرات الذي رعته الأمم المتحدة وشركاء الحوار المتعددي الأطراف، فإن التصديق الميداني يظل محك اختبار الإرادة. ولا يمكن بأي حال العودة إلى ما قبل 17 الشهر الجاري، وإن اختلفت النظرة حيال مضمونه وبواعثه والموقعين عليه. وربما لو أمكن إشراك كل الأطراف والاتجاهات لكانت الصيغة أفضل، إلا أن الممكن راهناً في ظلّ المستحيل الذي تعالت أسواره، يشكّل بداية مشجّعة بكل المقاييس.
لم تستطع دول قائمة، بمواصفات شرعية واعتراف دولي، أن تعيش في معزل عن التحولات التي يعرفها العالم، فبالأحرى أن تكون منفلتة وفاشلة يحكمها الثأر والاستئثار، وبالتالي من الخطأ أن يتصور أي طرف أن في إمكانه أن يفرض كل شروطه ولاءاته، بخاصة إذا كانت تقود إلى تراكم الأخطار الإقليمية والدولية.
أهم ما في المصالحات التاريخية أنها تبدأ بإطفاء النيران، من دون التوقف عند أسباب اشتعالها ومن يقف وراء إذكائها، فتلك مرحلة يمكن الذهاب نحوها بعد انقشاع الغيوم. والفرصة سانحة لأن تصبح لدى الليبيين حكومة شرعية، وبعدها يمكن عبر الاختيار الديموقراطي الذي لا إكراه فيه أن يغيروها. لكن بعد تغيير صورة البلاد أولاً.

*كاتب صحفي/”الحياة”