الرئيسية / وجهات نظر / هل يعني ظهور الجنرال طرطاق ولادة الدولة المدنية الجزائرية
AZRAJE OMAR

هل يعني ظهور الجنرال طرطاق ولادة الدولة المدنية الجزائرية

صراع كسر العظام على السلطة في المشهد السياسي الجزائري أصبح محتدما خاصة بعد إقحام التناقضات التي كانت مخفية في مؤسسة الجيش والأمن على مدى سنوات طويلة، الشيء الذي كان يوحي للرأي العام بأن هذه المؤسسة متماسكة.
ويبدو جليا الآن أن المعركة لم تعد بين ما يسمى بالمعارضة على اختلاف أطيافها، وبين الرئاسة وأحزابها، بل إن كل الدلائل تبين أن الطريق إلى قصر المرادية مشروط بتصفية مؤسسة الجيش والأمن من جميع العناصر التي كانت لها حصة الأسد واليد الطولى سواء في تعيين طاقم الحكومة أو رسم وتنفيذ سياسات الدولة الداخلية والخارجية.
من العناوين الدالة على التناقض الصارخ داخل السلطة العسكرية والأمنية الفعلية في البلاد ما حدث الثلاثاء الماضي بمناسبة ظهور اللواء عثمان طرطاق لمدة ساعة واحدة في فندق الأوراسي بالعاصمة بمناسبة افتتاح أشغال اجتماع المديرين والمفتشين العامين للشرطة الأفارقة “أفريبول”. وقد اعتبر إعلام النظام هذا الظهور بمثابة تحطيم لعهد الجنرال توفيق الذي كان يلتزم السرية الكاملة في تحركاته ونشاطه الأمني. ومن اللافت أن الصحافة الجزائرية لجأت إلى كبار الضباط في جهازي الجيش والأمن لتقييم ظهور الجنرال طرطاق حيث أدلى هؤلاء بتصريحات نشرت بالحروف الغليظة لم تكن تظهر من قبل في الإعلام الجزائري التابع للدولة أو التابع للقطاع الخاص، وأجمع هؤلاء الضباط على أن هذا الظهور له رمزية تعني أن الجزائر قد بدأت تشهد تحولا باتجاه الانفتاح والشفافية بعد السياسات القديمة المتميزة، حسب رأيهم، بالانغلاق وإخفاء الحقائق ذات الطابع العسكري والأمني على الرأي العام الوطني.
وأكثر من هذا فقد علَق عدد من المسؤولين المقربين من النظام الجزائري مبرزين أن مبادرة طرطاق تمثل مدخلا للانتقال بالبلاد إلى مرحلة الدولة المدنية، وهنا ينبغي أن نتوقف قليلا لمناقشة هذه المسألة الملتبسة.

إقرأ أيضا: عثمان طرطاق..عين بوتفليقة على رأس جهاز المخابرات

أولا جميع المرافعات التي تصف ظهور طرطاق كتحول نحو الشفافية وبداية للسير نحو بناء الدولة المدنية تعترف، ضمنيا، أن الدولة الجزائرية لم تكن شفافة أو مدنية قبل حكم الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة وبعد حكمه على مدى 15 سنة، وأن ما يحدث حاليا هو مجرد إشارات فقط وليس تغييرا حقيقيا وانقلابا راديكاليا على الماضي الذي اتسم بتحكم الأجهزة العسكرية والأمنية في كل مفاصل الدولة.
ثانيا، هل يمكن أن يتم الانتقال إلى دولة مدنية في ظل غياب مجتمع مدني حر ومستقل ومؤهل سياسيا واجتماعيا وماديا وتنظيميا؟ ثم كيف نتحدث عن مجتمع مدني جزائري في الوقت الذي نجد فيه انقساما حادا بين الأحزاب التي تعتبر أحزاب سلطة بالوكالة، وبين الأحزاب التي تعتبر نفسها معارضة. علما أن بعضها كان منذ وقت قليل جزءا عضويا من التحالف الرئاسي الذي يعني في الأبجديات السياسية أنه كان فصيلا من فصائل النظام الحاكم ذاته. علما أن بعض القيادات في هذه الأحزاب التي توصف بالمعارضة لا تزال تعرض نفسها على رئيس الدولة تطلب العمل معه وحمل الحقائب الوزارية؟ أليست هذه مفارقات تطمس الفكر السياسي الذي يقيم حدودا فاصلة، بين النظام الحاكم وبين المعارضة من جهة، وتقدم أيضا صورة مقلوبة عن حقائق الواقع السياسي الجزائري من جهة ثانية، الذي يصعب أن تجد فيه معارضة راديكالية لها مشروعها الوطني ومواقفها المبدئية التي تبني عليها رهاناتها السياسية والعقائدية؟
التحول الوحيد الذي تبدو علاماته في الأفق السياسي هو انتقال الحكم من ميراث الشرعية الثورية باسم النضال ضد الاستعمار، إلى بدايات غير مؤسسة على الفكر السياسي، باتجاه صياغة نظام حكم قادم يقوده كبار أصحاب رؤوس الأموال بالتحالف مع فصائل حزبية ومع قيادات في أجهزة الرئاسة والجيش والأمن، معروفة بولائها للرأسمالية المتوحشة بطبعتها الجزائرية.
لا شك أن علم الأنظمة السياسية في العرف الدولي يقول إن للدولة المدنية بنيتها الثقافية والفكرية والسياسية والعقائدية، ولها مؤسساتها التي تطبق محتوى عناصر هذه البنية في الواقع اليومي. من المفترض أن الدولة المدنية تولد من رحم المجتمع المدني التي تعرَف “بأنها المجال الاجتماعي المنفصل عن النظام الحاكم”، وأن من خصائص الدولة المدنية فصل الدين (الذي يعني إعادته كوازع روحي إلى الحاضنة الشعبية وإبعاد أي استغلال سياسي له) عن السلطة، وكذلك أجهزة العدالة عن النظام الحاكم، وتعني أيضا جعل المنتخبين في البرلمان ممثلين مباشرين للشعب في الحكومة التنفيذية التي تكون مسؤولة مباشرة أمامه.
إذا كان الأمر هكذا فأين الجزائر من الدولة المدنية، وكيف يمكن أن تبنى في ظل تحكم النظام في كل صغيرة أو كبيرة بدءا من تعيين الوزراء إلى تعيين المدراء حتى على الغابات والحدائق العامة بمرسوم رئاسي غير قابل للمناقشة؟

*كاتب جزائري/”العرب”