الرئيسية / وجهات نظر / المغرب.. تحديات وطموحات لا تنتهي
ALAWI

المغرب.. تحديات وطموحات لا تنتهي

للوهلة الأولى يبدو للملاحظ الذكي أن المغرب في حركة دائبة وتفاعل واقعي وحذر مع محيطه الجيوسياسي، فرغم أن هذا البلد لا يملك احتياطات من الغاز والنفط، إلا أن موقعه الجيواستراتيجي وتراكم تجربته الناجعة في مجال تدبير ملفاته السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية والدينية، جعلت منه رقما صعبا داخل دائرته الإقليمية والدولية، ومحط إعجاب في طريقة تدبيره للملفات الحساسة.
وبكلمة أخرى فهذا البلد المغاربي راهن على المستقبل معتمدا على قوة الإرادة والطموح ووضوح الرؤية الاستراتيجية لما سيكون عليه في الغد القريب، ومن ثم أصبح مؤهلا على عدة مستويات لتقديم المشورة والدعم في استتباب السلم والأمن العالميين.
من خلال موقعه المركزي داخل النظام السياسي المغربي يعمل الملك محمد السادس بشكل فعال على تأهيل المغرب للعب أدواره كاملة على الساحة الدولية، وربطه بشبكة وثيقة من الأصدقاء والحلفاء تجمعه وإياهم علاقات قوية ومصالح متبادلة وتفاهم مشترك.
ويقوم العاهل المغربي بتعزيز تلك العلاقات من خلال برمجة تحركاته الخارجية على أساس الدفاع عن مصالح بلاده العليا، سواء داخل الفضاء الأفريقي الذي يشكل عمق المغرب، أو في أوروبا وأميركا، أو من داخل الفضاء الخليجي. فلم يكد الملك محمد السادس ينهي زيارته لفرنسا، بعد مشاركته في قمة المناخ، في الثلاثين من الشهر الماضي، حتى طار إلى دولة الإمارات التي حضر احتفالات عيدها الوطني الـ44، في إطار علاقات تعدت السياسة والأمن والاقتصاد.

إقرأ أيضا:بالفيديو. الملك محمد السادس يشارك الإمارات احتفالها بعيدها الوطني

فهذا البلد الخليجي تربطه بالمغرب علاقات تاريخية نسجت وشائجها الإنسانية وبقيت صامدة منذ بداية السبعينات حتى الآن. وهذا ما أكده وزير خارجية الإمارات عبدالله بن زايد آل نهيان بقوله إن “هذه العلاقات ستشهد المزيد من التعاون، ليس فقط في الجوانب الاقتصادية والسياسية والأمنية، ولكن أيضا ليشمل الجوانب الاجتماعية التي تهم شعبي البلدين الشقيقين”، علاقات توجت بشراكة استراتيجية بين البلدين على عدة مستويات، على رأسها المجال الأمني ومكافحة الإرهاب.
إن تحرك العاهل المغربي من فرنسا إلى الإمارات العربية المتحدة تحكمه ظروف وعوامل متعلقة بالتزامات المملكة الدولية في محاربة كل التهديدات التي تشوش على الاستقرار والسلم الدوليين، وكذلك لعلاقات الملك محمد السادس الشخصية المتميزة مع مسؤولي البلدين التي صنعت سدا منيعا ضد كل ما يهدد أمنهم واستقرارهم.
ليس اعتباطا أن يشارك المغرب إلى جانب التحالف الدولي في غارات جوية للتحالف ضد تنظيم ما يسمى “الدولة الإسلامية”، ففي ظل التهديدات المستمرة للأمن القومي للدول الخليجية ومن ضمنها الإمارات، ونظرا للعلاقات الاستراتيجية التي تربطه بهذه الدول، فقد نزلت المملكة بثقلها الأمني والاستخباراتي لتأمين المنطقة، وجعل من تدخله بابا مفتوحا على عدة مستويات. إلى ذلك أبانت الأجهزة الأمنية المغربية عن فعاليتها ومهنيتها في مكافحة الإرهاب وتفكيك الخلايا، الشيء الذي جعل من حلفائه وأصدقائه يسعون في طلب هذه الخبرة، وكانت المعلومات التي قدمتها الرباط لفرنسا حاسمة في وقف هجمات كانت جماعة عبدالحميد أبا عود تتهيأ لتنفيذها بعد تلك التي ضربت باريس في 13 نوفمبر الماضي.
كانت مشاركة العاهل المغربي في قمة المناخ 2015 بالعاصمة باريس، ذات معان عميقة ورسائل مهمة، منها أن المغرب أصبحت مكانته محورية وأضحى فاعلا في عدة ملفات على المستوى الدولي. ويعرف المغرب أن تغير المناخ وتأثيراته السلبية كانت سببا وإن بدرجات في نشوب الحروب الأهلية وانتشار المجاعات والكوارث البيئية.
مر المغرب في ثمانينات القرن الماضي بظاهرة جفاف حادة أثرت سلبا على البيئة والاقتصاد والموارد المائية والمساحات المزروعة، ولازالت بعض مناطقه معرضة للفيضانات حتى الآن، لهذا فهو يعي أنه معني بالاختلالات الناجمة عن تغير المناخ.
وكون المملكة لم تسلم أيضا من هجمات إرهابية بغيضة كانت أخطرها تلك التي ضربت الدار البيضاء في 16 ماي 2003. فأصحاب القرار واعون بأهمية محاربة الإرهاب بالانخراط المبكر في مكافحة مسبباته الحقيقية بكل الوسائل وعلى كافة الجبهات. ومن خلال تلك التجارب المؤلمة استطاع المغرب رفع التحدي ومراكمة خبرة جيدة للتعامل مع آثار تلك الكوارث بعقلانية وبترسانة متنوعة من البدائل. ونتيجة لذلك دخل المغرب في التكتل الدولي لمكافحة تأثيرات تغير المناخ وانخرط في مخططات طموحة في مجال الماء والفلاحة والطاقة، واستطاع أن يطور آلياته على الأرض بانكبابه على مقاربة حلول متجددة لمواجهة كل النتائج الناتجة عن الاحتباس الحراري.
ولذلك لا يمكن إنكار جهود المغرب والتزامه بإعطاء النموذج في مكافحة التطرف والإرهاب عبر مقاربة أمنية واجتماعية وحقوقية، ومن خلال إصلاحات بنيوية وانفتاح على كل الحساسيات المجتمعية والثقافية.

*كاتب مغربي/”العرب”