الرئيسية / وجهات نظر / ليبيا و«داعش».. والناتو الحائر
إميل أمين

ليبيا و«داعش».. والناتو الحائر

هل فقد الناتو قدرته على التمييز بين الخطير، والأكثر خطًرا، أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟
قبل بضع سنوات، كان الحلف يسارع إلى ليبيا، بحجة دعم الأحرار هناك، واليوم يستصرخ الليبيون وضع بلادهم على خريطة التدخل الدولي، غير أن آذان رجالات الحلف صماء لا تستجيب، في حين يبقى الخطر محدًقا بأوروبا بأبلغ قدر من أي بقعة جغرافية أخرى حول العالم.. ما الداعي لهذا الحديث الآن؟
الشاهد، أنه في الوقت الذي تتصاعد فيه الأنباء حول إعلان «داعش» إقامة عاصمة لهم في مدينة سرت، ومع الأنباء المتواترة بشأن صيرورة ليبيا مركًزا لاستقطاب المقاتلين الأجانب، فراًرا من الضغط الواقع عليهم في سوريا والعراق، بما يهدد أوروبا ودول الجوار العربي، نستمع إلى تصريحات جوفاء من ينس ستولتينبرغ الأمين العام لحلف الأطلسي (الناتو). ينفي ستولتينبرغ أن يكون لدى الحلف خطط جاهزة للتدخل في ليبيا من أجل محاربة الإرهاب، ويؤكد في تصريحات له من بروكسل أن «الأنباء عن وجود خطط لحلف الناتو لإجراء عملية جديدة في ليبيا من أجل محاربة (داعش) عارية عن الصحة».
المعلومات الموثوقة الآتية من ليبيا تشير إلى أنها في الطريق لأن تصبح سوريا جديدة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، بعد أن طلبت قيادات «داعش» من مقاتليها التوجه إلى ليبيا في نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي، هربا من صواريخ بوتين، والآن أسلحة كاميرون الذكية. ألا يستدعي الأمر تدخلاً عاجلاً من الناتو؟ أم ماذا هم ينتظرون؟
يكاد المرء يوقن أنه يوجد سيناريو مؤامراتي غامض تجري به المقادير، والمقصود به ما هو أبعد من ليبيا، غير أن الكارثة لن توفر أوروبا بحال من الأحوال، لا سيما إذا استطاع مقاتلو «داعش» قيادة طائرات «انتحارية» والوصول إلى العمق في الجانب الآخر الأطلسي، وهناك مصادر عسكرية ليبية تشير إلى أن عناصر تنظيم داعش يتدربون في منطقة سرت على قيادة الطائرات، عبر جهاز محاكاة (سميوليتر) حصلوا عليه من جهة مجهولة، والفظاعة تتضح من خلال معرفة كون الجهاز يخص قيادة طائرات مدنية، وهناك من يؤكد وجود جهاز آخر للطائرات الحربية، ما يقطع بأن ما يجري في ليبيا تقف وراءه دول وجهات داعمة لـ«داعش» وللإرهاب، ومحرضة على العنف القاتل في العالم برمته.

إقرأ أيضا:هل يعيد”الناتو” عجلة التاريخ إلى الوراء في ليبيا؟

هل الناتو منقسم على ذاته فيما يخص ليبيا، أم أنه حائر بين التوجه شرًقا بضغوطات أميركية، والاتجاه نحو الجنوب المتوسطي حماية لأرواح الأوروبيين؟
يبدو أن هناك حالة من التضارب في المصالح في جنبات الأطلسي تذهب بالأميركيين مذهًبا مغايًرا لمصالح الأوروبيين، وهذا ما تبدى في تصريحات ستولتينبرغ، فقد أعلن عن الإعداد لنشر قوة للتدخل السريع الجديد قوامها 40 ألف عسكري للرد على التحديات التي تجري بها المقادير في ليبيا، غير أنه لاحقا بدا وكأن ضغوطات بعينها مورست عليه، فوجدناه ينفي ما أكدته صحف غربية عن إرسال بريطانيا وأميركا فرًقا عسكرية خاصة تعمل داخل الأراضي الليبية لمراقبة
تمدد «داعش»، بل إن بعض وسائل الإعلام الأوروبية تؤكد أن هناك عمليات نوعية جرت بالفعل لمحاصرة «داعش» في حدود سرت الجغرافية، وأن طائرات حلف الناتو قد قامت بالإغارة فعلاً. من نصدق؟ ستولتينبرغ في تأكيده أم في نفيه؟
مهما يكن من أمر الجواب، فإن هناك حقيقة جديدة فاعلة في الحال، وستكون لها تبعات وتداعيات كبيرة ولا شك في الاستقبال، وهي تطويع واشنطن لقوى الناتو الأوروبية في المعركة الحقيقية لا المجازية مع روسيا الاتحادية، ومحاولة التمدد شرًقا لمحاصرة «الثعلب الروسي»، ولوقف قفزاته التي باتت تصدع الغرب… ما الذي جرى؟
لقد دعا الناتو «الجمهورية اليوغوسلافية السابقة المعروفة بـ(الجبل الأسود) مونتنيغرو» للانضمام إلى صفوفه، بل إن ستولتينبرغ نفسه يتوقع أن تنتهي المفاوضات بشأن منح الجبل الأسود عضوية الحلف مطلع العام المقبل، والأمر يحتاج إلى تصديق برلمانات جميع الدول الأعضاء الـ28 في الناتو.
توسع الناتو شرًقا لا يتوقف عند حدود الجبل الأسود، بل الأطماع الغربية تضع اليوم كلاً من البوسنة والهرسك وجورجيا ومقدونيا في دائرة استهدافها لضمها للناتو، ما يعني أن الحلف غير معني كثيًرا في واقع الأمر بـ«داعش» في ليبيا، وربما تحركات الحلف في سوريا والعراق غرضها الخفي استدراج بوتين إلى مستنقع خارجي جديد، وهو ما أشار إليه أوباما تصريًحا لا تلميًحا في كلمته أمام قمة المناخ في باريس في الأيام القليلة الماضية.
ثم ماذا بعد؟ هل يتوجب على الأوروبيين السير في طريق خطط الناتو، الأميركية، وترك طاعون القرن يمتد للجسد الأوروبي؟
يبدو أن هناك شروًخا في الجسد الأوروبي بالفعل، فإن العالمين ببواطن الاتحاد الأوروبي يدركون أن فرنسا وإيطاليا، بنوع خاص، لديهما إرادات متصادمة مع رغبات واشنطن، لإدراكهما أن ليبيا هي «الحالة الطارئة التالية»، التي قد تكون بالفعل أخطر من سوريا، نظًرا لإمكانية التسرب إلى العمق الأفريقي والالتحام بجماعة راديكالية هناك تتسق آيديولوجًيا مع «داعش»، وتالًيا تمضي في طريق أوروبا.
ثم ماذا على دول الجوار العربي؛ مصر وتونس المكلومتين من نار الإرهاب، والجزائر والمغرب المهددتين دوًما؟
حسًنا، يجب السعي لتحريك النوايا الأوروبية المتحررة من رقبة واشنطن، لكن هذا لا ينفي حتمية التفكر والتدبر والعمل مًعا بأسرع وقت، انطلاًقا من أن طرح القضايا الحساسة والمصيرية يبدأ من الذات وليس من الآخرين.

*كاتب مصري/”الشرق الأوسط”