الرئيسية / وجهات نظر / ليبيا: عجالة غربية على إيقاعات روسية
kawass

ليبيا: عجالة غربية على إيقاعات روسية

شيء ما يعيد تنشيط ما يطلق عليه اسم “مبادرة 3 زائدا 3” من أجل دفع الحلّ في ليبيا. تضم المبادرة كلا من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، وكذلك ألمانيا وإيطاليا وأسبانيا، على نحو يوحي بأن التدخل الدبلوماسي بات عاجلا لرفد الجهد الأممي المتعثّر في الشأن الليبي. ففي المشهد الدولي المحتقن منذ هجمات باريس ما يشي بأن الهمّة الدولية لمكافحة داعش في سوريا والعراق يجب أن تشمل معالجة نوعيّة للأزمة في ليبيا، والتي تفيض فوضاها على دول الجوار (لا سيما تونس ومصر)، كما على دول حوض البحر المتوسط (لا سيما شواطئه الأوروبية).
في باريس، يعلن مانويل فالس، رئيس الحكومة الفرنسية، أن “الملف الكبير” المقبل هو ليبيا. وفي لندن، وبعد أشهر من الكلام عن تخفيض ميزانية القسم العربي للبي بي سي البريطانية، يشيع أن الشبكة الشهيرة تعمل على توسيع نشاطاتها باتجاه عواصم عربية، أهمها تونس للإطلالة بعجالة على شمال أفريقيا. يقوم وزير الخارجية البريطاني بزيارة سريعة لتونس، يجتمع مع رئيسها ومسؤوليها، وفي فمه همّ واحد: ليبيا.
قد تتدفق المؤشّرات في الأجل القصير لفهم الصورة الدولية الأممية الإقليمية التي ستتحرك باتجاه ليبيا. كان الموفد الأممي الإيطالي برناردينو ليون (عين في صيف 2014)، قد قدّم لطرفي النزاع في ليبيا في 9 أكتوبر في الصخيرات المغربية، مقترحا بحكومة تقاسم سلطة يتضمن مجلسا تنفيذيا مؤلفا من رئيس الوزراء فايز السراج وخمسة نواب لرئيس الوزراء وثلاثة وزراء كبار، ويفترض بهذا المجلس أن يمثّل توازن المناطق في البلاد، قبل أن تتحفّظ الأطراف نفسها على تفاؤل الدبلوماسي الدولي، وتعلن رفضها لمقترحات الرجل ومخرجاته للحل لأسباب تخص أجندة كل فريق ورؤاه للحلّ الأمثل. بات واضحا أن مفاوضات مدينة الصخيرات المغربية لم تكن آلية كافية لإنتاج تصوّر ليبي واحد، وأن الهمّة الدولية باتت ضرورية (من خلال السداسية المستجدّة ربما) لحثّ الليبيين، بتدابير لم تظهر بعد، للقبول بما رفضوه سابقا.
مشترك كبير يجمع بين الحاليْن السوري والليبي. تحرك الشارع في البلدين بشكل سلمي ضد نظامين دكتاتوريين مطالبا بالعدل والحرية. وفي البلدين ردّ النظام السياسي الأمني بالعنف والنار، ما عسكر ما هو سلمي وحوّل الميادين إلى جبهات تتحكم بها الميليشيات وأمراء الحرب. في ليبيا تدخّل الخارج عسكريا، ما أسقط النظام وقتل الدكتاتور، فيما تراجع الخارج الرسمي عن ذلك، وربما بسبب التجربة الليبية، في سوريا وترك الحالةَ تتعفّن بعبث داخلي، تتواطأ داخله ميليشيات مذهبية وافدة تحرّكها أجندات إقليمية متنافرة.
تعامل “الأطلسي” بخفّة كارثية في ليبيا. تحركت مقاتلاته لوقف زحف قوات القذافي إلى بنغازي، حتى قبل أن يصدر القرار الأممي في هذا الصدد. ونفضت العواصم الغربية يدها من الحمى الليبية بعد مقتل القذافي، تاركة البلد لفوضى السلاح ومزاج القبائل، ما أتاح لليبيين اكتشاف ذواتهم وتناقضاتهم وتعددهم وانقساماتهم واستحالة توحدهم. وحين قتل الإرهاب الليبي سفير واشنطن وباتت لداعش وأخواته مكامن قوة وانتشار، أدرك العالم خبث إثمه، وبات يلهث لحلّ ميؤوس يوقف المحرقة.

إقرأ أيضا:ليبيا: دور القَبيلة فى احتواء تداعيات الازمة و أثارها

يعترف العالم بفشله في سوريا ويروح باتجاه الاستسلام للمقاربة الروسية الراهنة، فيما يسعى، في الحالة الليبية، لاجتراح استراتيجيات قد لا يغيب عنها تدخل عسكري ما. لا أحد يجرؤ على كشف خطط بهذا الاتجاه، لكن الكلام في ليبيا عن مباشرة اتصالات مع روسيا (الجريحة في ليبيا)، قد يفسّر سرّ السداسية وتحرّك لندن وإنذارات مجلس الأمن وأمين عام المنظمة الدولية.
ما هو “معترف به” دوليا وذلك “فاقد الشرعية” في الكلام عن برلمانيْ ليبيا ومؤسساتها، تعبيرات داخلية محلية يستخدمها الأطراف للاستهلاك البيتي فقط. فالمجتمع الدولي يتعامل مع الأمر الواقع كما هو، ويشرف على الحوار الجاري بين تشريعي المؤتمر الوطني في طرابلس وتشريعي مجلس النواب في طبرق، آخذا بعين الاعتبار انقسام البلد العسكري بين “فجر” إسلامي الهوى (يتفكك داخل ميليشياته) و”كرامة” مضادة (بقيادة خليفة حفتر)، وهو مدرك لامتدادات الطرفين الأيديولوجية والإقليمية التي تنتشر من محيط المنطقة العربية إلى خليجها.
يتعامل العالم مع داعش في سوريا والعراق بصفته خطرا وجوديا، على ما أعلن ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني، ويشحذ الهمم للحشد والاستنفار وابتلاع العلقم الروسي من أجل القضاء على تنظيم البغدادي. لا يبدو أن نفس النظرة تنسحب على داعش في ليبيا، على نحو يوحي بأن التنظيم الإرهابي في ليبيا جزء من الإشكال الليبي وأن موارده ودينامياته ليبية، تتعاظم وقد تختفي، وفق مآلات الحلّ الليبي. اكتفت مصر بقصف مواقع للتنظيم ردا على مجزرة ارتكبها التنظيم الإرهابي ضد مواطنين أقباط مصريين، ولم تذهب أكثر من ذلك في تدخل مباشر لطالما استشرفه بعض المراقبين. ينسحب هذا التحفّظ المدروس على دول الجوار، لاسيما الجزائر (تونس تكتفي بإغلاق الحدود) المعنية مباشرة بأخطار الإرهاب الوافد من هناك.
لا عجالة نفطية تستدعي عجالة لإقفال الملف الليبي، ذلك أن تراجع صادرات البلد من الهيدروكاربونات ليس ذا بال موجع بالنسبة إلى السوق العالمي (450 ألف برميل يوميا، الشهر الماضي، من حوالي 350 ألف برميل يوميا، في وقت سابق هذا العام، بينما كانت تصل 1.6 مليون برميل قبل عام 2011). الإنتاج الدولي وفير، تضاف إليه العودة الإيرانية العتيدة، والأسعار منخفضة لا يعوزها انخفاض قد يسببه انسياب ذلك الليبي. فقطاع النفط الليبي الذي يعتمد عليه البلد بشكل شبه كامل معطّل في انقسامه كما انقسام سياسييه، وممنوع تصديره وفق مزاج المسيطرين على ميناء الزويتينة.
العجالة الوحيدة في ليبيا أمنية بامتياز استدعت اجتماع أعضاء من برلمانيّ طبرق وطرابلس في تونس للدفع المشترك باتجاه الاتفاق، ذلك أن العلّة مأساة لليبيين في الداخل وتوفّر ملاذات مريحة لتجمع إرهاب عابر للحدود يهدد أوروبا في الأنحاء والدول المحاذية في الجوار، فقد بات داعش رقما صعبا يستعد لإعلان مدينة سرت عاصمة له. ولأن سداسية دولية قد تتفعّل، كان على دول الجوار (مصر وتونس والجزائر وتشاد ونيجيريا والسودان) أن تجتمع في الجزائر منذ أيام علّها توفّق في إقناع الليبيين بابتلاع ترياق ليون والقبول بورشة خليفته الألماني مارتن كوبلر، لكن أمر الوفاق الليبي ليس ليبي المزاج فقط بل دونه انقسامات إقليمية لا يبدو أن الوقت قد حان لتسويتها.
في أسس المخاض وجع داخليّ أيضا قد يشتم منه مقت لأي حلّ ينهي أمرا واقعا تستفيد منه أطراف في مقاعد السياسة ومواقع العبث الميليشياوي. يقلل نوري أبو سهمين، رئيس المؤتمر الوطني العام (المنتهية ولايته) من فوضى الميليشيات ولا يعتبرها عائقا مهما للحلّ، فيما يصبّ ناره على المبعوث ليون متهما إياه بالتحيّز وشرذمة الليبيين. في ذلك يعتبر المراقبون أن الجدل حول القبول بحلّ ليون أنقذ أبو سهمين من معضلة داخلية كادت تطيح به، وكأنه يدرك أن الاتفاق الداخلي قد يلفظه من المشهد المقبل.
من داخل المؤتمر الوطني العام في طرابلس، الذي رفض حكومة الوفاق التي اقترحها ليون، دعوات إلى حوار ليبي داخلي (بما في ذلك ما تردد عن لقاء يجمع أبو سهمين بخصمه عقيلة صالح رئيس مجلس النواب في طبرق) يعيد تعريف المعنيين بالحوار متجاهلا أطرافا مستقلة شملتها مداولات ليون.
البعض يرى في الدعوة إبعادا وتأجيلا للعلقم الأميركي الأوروبي الذي توفّره صيغة ليون، وبعض آخر يسرّب إطلالات روسية قادمة على المشهد الليبي استكمالا لإطلالة باركها الغرب على المشهد السوري (المراقبون يرصدون طموحا روسيا في شمال أفريقيا من خلال النافذة الجزائرية). وما بين التسريب والتضليل والتهويل تعيش ليبيا الساعات الأخيرة قبل أن ترفع الستارة عن مسرح يتشكّل بغموض في الغرف الدولية والإقليمية.

* صحفي وكاتب سياسي لبناني/”العرب”