الرئيسية / وجهات نظر / مسرح ثيرفانتيس.. طنجة يالعالية!!!
BOUKHAZER

مسرح ثيرفانتيس.. طنجة يالعالية!!!

وأخيرا، تكللت الجهود المثمرة وأسفرت الإرادات الطيبة، عن إنقاذ” مسرح ثيرفانتيس” أهم صرح ثقافي خلفته الحماية الاسبانية بشمال المغرب؛ بعد ان ظل عقودا صامدا يقاوم الإهمال والنسيان،وهو التحفة المعمارية الفريدة بمدينة طنجة؛ الى ان استنفرت حاله بعض الغيورين مغاربة وإسبانيين، على الثقافة والفن في العدوتين فتحركوا، وهم قلة وقاموا بتنظيم حملات إعلامية منسقة، وضمنهم بعض المثقفين الاسبان من يترددون على المغرب ويرتبطون به بصلات مودة، يعملون من جهتهم في سبيل دعم واستمرار التعاون الثقافي والفكري بين البلدين الجارين.
نجح هؤلاء في اقناع السلطات الاسبانية لتليين موقفها بالتخلي عن المعلمة الفنية التي تعود ملكيتها في الأصل لتاجر اسباني انفق عليها من ماله الخاص؛ فلما ضاق به الحال ونضب ماله وكسدت تجارته، أبت أسرته ان تفرط في المسرح الكبير، وهذا اسمه الأصلي، فقامت بتسليم التركة الى الجهة الكفيلة برعايتها والحفاظ على ذكرى بانيها ومؤسسها.
لم تجد العائلة، افضل من الدولة الاسبانية التي مانعت طويلا في إعادة المسرح الى المغرب، بعد الاستقلال، دون ان توليه الصيانة اللازمة؛ فكلما طال الإهمال،إلا وتطلبت البناية نفقات وميزانية ضخمة.
وربما كانت الحكومة الاسبانية محقة في موقفها المتريث، فلولا ترددها وحذرها لأصبح “مسرح ثيرفانتيس” في خبر كان، خاصة وهو واقع في قلب مدينة اشتهرت في العقود الأخيرة بجنون المضاربات العقارية. ضاعت بسبب جشع أصحابها كثير من الاثار الدالة على ماض ثقافي وفني وحضاري عريق، تساكنت وتعايشت في ظله اجناس وأقوام استوطنت مدينة البوغاز حقبا من الزمن. لم تتحرك الدولة لاقتنائه، فاندثر مثل أشياء أخرى ذات قيمة نادرة.
تتهيأ طنجة في الوقت الراهن، نتيجة النهوض الاستثنائي بها من لدن جلالة الملك، محمد السادس، لتصبح الحاضرة الكبرى في شمال المغرب؛ ليس بمنشآتها الاقتصادية المتناسلة وبنياتها التحتية المجددة، بل أيضا بمرافق الترفيه والجذب السياحي التي يتوالى إحداثها؛ وبالتالي ليس من الطبيعي ان تظل مدينة، بموقعها وفي حجمها، بماضيها وحاضرها ومستقبلها، سيتوافد عليها الزوار والتجار والسياح؛ان تظل فقيرة، بدون مؤسسة تحتضن الانشطة الثقافية والفنية،على غرار الحواضر المتقدمة.
ومن المؤكد ان جلالة الملك الذي رعى إ عمار المدينة وغير وجهها، لم تغب عنه تلك المعلمة اليتيمة الحزينة المظهر، فتأثر لما أصابها من تفريط، فعزم، حفظه الله،على انقاذها بل تحريرها واستعادتها للوطن؛ لتعاد الحياة إليها ولتظل شاهدة على عرى الروابط الثقافية التي جمعت المغرب بجارته الشمالية، من خلال رمز المسرح أرقى الفنون.
فوفقا لما نشرته الصحافة الاسبانية أخيرا والتي رحبت بالاتفاق الذي توصل اليه البلدان بخصوص مصير المسرح بعد مفاوضات مديدة، كون مدريد اشترطت، وهذا تقليد معروف بين الدول، ان يحافظ المغرب على المسرح، بعد تجديده وترميمه، والإبقاء على هويته كفضاء للنشاط الفكري والفني الحامل للقيم الانسانية النبيلة، الحاثة على التعايش والحرية والتسامح؛ بحيث يمنع على المتصرف والمالك الجديد للمبنى الأثري، ان يحوله عن جوهر المقاصد الاصلية التي حفزت مؤسسه على تشييده وتركه علامة مميزة دالة على كرم وسخاء الافراد من اجل العمل الثقافي.
والآن وقد تنازلت إسبانيا عن المسرح وسلمته الى الجهة المستحقة، فلا بد من الإشادة بمبادرتها وتوجيه الشكر لها ولكل من ساهم في تحقيق هذه الخاتمة السارة، لدراما ” مسرح ثيرفانتيس”.
وبما ان حكومة مدريد سلمت الامانة الى وزارة الثقافة، فعلى هذه ان تقدر الهدية الثمينة حق قدرها، وان تعد العدة الكافية لصيانة وحفظ كل ما تبقى في المسرح من محتوياته الأصلية، مستعينة بكل الكفاءات والخبرات الوطنية والاسبانية وحتى الدولية، لتتضافر جهودها حتى يستعيد المسرح كل مجده وروعته وبهائه، وحتى تضاء فيه الأنوار من جديد، بصورة أبهى وأقوى إشعاعا من الماضي.
بذلك سيطمئن من بقي من سلالة الباني الأصلي، على ان المغاربة، وتحديدا سكان طنجة، جديرون بما أنفق جدهم بسخاء على الثقافة والفن.
وقد يكون من الانسب والأجدر إسناد مهمة النهوض بمسرح ثيرفانتيس، لهيئة فنية مستقلة؛ تعمل في تنسيق وتعاون مع وزارة الثقافة الوصية على التراث الفني والمعماري، وكذا مع السلطات المحلية، لكي تتم عملية احياء المسرح في شفافية وحكامة تامة؛ بعيدا عن البيروقراطية البطيئة والتلاعبات المألوفة.
ولا يجب ان يغيب عن الذهن أن إسبانيا، ستراقب ما يجري فوق خشبة “مسرح ثيرفانتيس” بطنجة، بحكم بنود الاتفاق. ومن باب الواجب الوطني ان لا نجعلها نادمة على مبادرتها المشكورة على الرغم من أن كل الضمانات منصوص عليها في الاتفاق الذي أشرف على صياغته مختصون في مثل هذا النوع من تغيير الملكية ونقلها بين الدول.
ان النهاية السعيدة لمسرحية “مسرح طنجة التاريخي” يجب ان لا تنسينا في المآل الذي يتهدد معلمة شبيهة في مدينة تطوان “مسرح إسپانيول” لابد من انقاذه وشرائه من مالكيه، مهما كان المقابل، قبل ان يتحول الى مقاهي ومتاجر او تقام على انقاضه عمارات سكنية وربما أشياء لا نعلمها.

إقرأ أيضا: مسرح “اسبانيول” بتطوان مهدد.. ولا منقذ!!!

اعبر هنا عن الأمل الشخصي، بعد اكتمال الإصلاحات والترميمات ان يقام احتفال كبير يوم تدشين “مسرح ثيرفانتيس” في حلته الجديدة، يدوم أسبوعا أو شهرا بل حتى سنة، يقدم خلال ذلك برنامج متنوع، تدعى للمشاركة فيه فرق مسرحية إسبانية وحتى عربية على اعتبار أن المسرح استقبل فنانين مشارقة، أتحفوا سكان المدينة بما قدموه من عروض ممتعة.
قديما أعجب المطرب الراحل الحسين السلاوي، بمدينة طنجة فغنى اغنيته التي صارت مثلا متداولا بين الأجيال، وفيها يردد مقطع “طنجة يالعالية بسواريها”.
حينما يستأنف مسرح “ثيرفانتيس” الذي أفتتح اولا عام 1913 نشاطه، ستشيد سارية أخرى تضاف إلى تلك التي تغنى بها المطرب الشعبي. سنرى