الرئيسية / وجهات نظر / ما فعله صناع الروايات بتونس
nizare

ما فعله صناع الروايات بتونس

في ختام حلقة أخرى من حلقات الإثارة المستمرة في تونس، خرج الناطق باسم المحكمة الابتدائية ليقول في تصريح حاسم لوكالة الأنباء الرسمية، إن القصة التي شغلت قسما واسعا من التونسيين واستأثرت باهتمامهم طوال اسابيع، كانت مجرد «زوبعةفي فنجان».
ما حصل هو أن بطل الرواية وهو إعلامي معروف، رفض الكشف لقاضي التحقيق الذي مثل أمامه كشاهد، عما ادعاه في السابق من حيازة أسرار خطيرة حول حقيقة الاغتيالات السياسية، وحالات الوفاة الغامضة والمسترابة لبعض الوجوه الحقوقية البارزة في البلد. كل ما قاله ذلك النجم الإعلامي للقاضي، بحسب المصدر ذاته، هو التعبير له عن الندم على تلك التصريحات التي صدرت عنه في لحظة إحباط قدّم لاثباتها «وثائق طبية تفيد بأنه يعاني من اكتئاب نفسي»، اي أن الخلاصة الوحيدة هي انه لا أسرار ولا هم يحزنون، لأن كل ما في الأمر أن الرجل لم يكن في حالة طبيعية حين أقدم على تسجيل شريط فيديو من داخل أحد الفنادق السويسرية التي هرب اليها، مثلما قال وقتها، خوفا على حياته، وادعى من خلاله معرفته بكل تلك الاسرار. كيف تراجع عن أقواله الصادمة والحساسة بمثل تلك السهولة والبساطة؟ وهل تعرض بالفعل لضغط قوى خارقة ومجهولة دفعته للإقدام على خطوة التصريح ثم خطوة التراجع والإنكار في مرحلة موالية؟ لا يبدو أن هناك وقتا أو رغبة للبحث في التفاصيل، مادام المجال مفتوحا بشكل مسترسل ومتواصل لقصص أخرى لا أحد يعرف كيف تبدأ ومتى تنتهي، رغم أنها تجد دائما من ينجذب اليها بالكامل، ربما لغرابتها أو لخروجها عن المعتاد، بدون التنبه غالبا إلى أن خيوط الربط بين ما يظهر في فصولها الاولى وما يستقر في نهاياتها تظل مفقودة وخارجة عن الإدراك والفهم. والمثال الأقرب هنا هو طريقة انتقال ذلك الاعلامي المشهور، الذي اطلق قبل شهور فقط قناة تلفزيونية خاصة واحتل موضعا بارزا في صدارة المشهد الاعلامي من أضواء الشهرة ومجدها إلى حلكة وعتمة سراديب طمس تحت انقاضها كل اثر للحقيقة.

إقرأ أيضا: تونس واقتصاد الحرب

لا شيء يدل في سيرة ذلك الشاب الطموح الذي عرفه الناس قبل سنوات قليلة مقدما تلفزيونيا لبرامج الرياضة على قناة خاصة، ثم لبرنامج اجتماعي كانت إحدى الشركات الخاصة المملوكة جزئيا لعائلة الرئيس المخلوع تبثه على القناة الرسمية، على تفسير أو جواب لذلك الانتقال. وباستثناء مدة قصيرة توارى خلالها عن الانظار في الشهور الاولى التي تلت هروب بن علي، فإنه لم يغب طويلا عن الاضواء، ولم يفقد أي شيء من بريق نجوميته بعد التحولات التي شهدتها تونس، ليتحول بقدرة قادر إلى المقدم الاول لاشهر البرامج السياسية الحوارية في البلد، ويصير قبلة السياسيين من اليمين واليسار، بعد تسابق الجميع لحضور برنامجه الذي حقق أرقاما عالية في نسب المشاهدة التلفزيونية. هل كان ظهوره وظهور جيل كامل من الاعلاميين الشباب، الذين لم يعرف عنهم أي شغف أو اهتمام بالسياسة وأهلها زمن الاستبداد، عدا الولاء التقليدي المعهود للحكام أولي النعمة، دليلا على أن ريح الثورة قد هبت بقوة على قلعة الاعلام؟
من يتأمل المشهد الحالي سوف يصل بسهولة إلى استنتاج صادم، وهو أن ذلك الجيل لم يكن جديرا بحرية لم يبذل أي جهد أو تضحية للحصول عليها. هل كان اذن ضحية آلة عمياء سحقته وطوعته لإرادتها؟ أم كان يدرك منذ البداية حجمه ودوره واضطر سعيا وراء كسب مزيد من المال والشهرة للتضحية بالأخلاق وقواعد الشرف المهني، التي لم تعد تعني شيئا في سوق الضباع الاعلامية؟
في قصة النجم الاعلامي المعروف بدأ المشهد الختامي حين صرح لبعض وسائل الاعلام المحلية بأنه كان عرضة لمحاولة اغتيال خطط لها ونفذها ثلاثة ليبيين، لما كان جالسا في أحد مقاهي العاصمة، وحمل رئاسة الدولة التي رفعت عنه المرافقة الامنية المسؤولية الكاملة عما قد يصيب حياته من خطر، ثم لم تكد تمضي ايام قليلة على ذلك التصريح حتى فاجأ التونسيين بشريط فيديو اختار بثه على حسابه في فيسبوك، وقال فيه بأن حياته باتت مهددة، لان بحوزته معلومات حول حوادث الاغتيال السياسي والموت الغامض لبعض الشخصيات المعروفة. صحوة ضمير أمتصفية حساب شخصي مع أباطرة القلعة؟
ما قرره قادة الإعلام الذين واصلوا رسم خط سيره هو غلق الملف واعتباره منتهيا. فلا مجال على الاطلاق لما ظل يردد منذ سنوات حول صحافة استقصائية أو صحافة مواطنة أو غيرها، لأن التعليمات كانت وستظل على الأرجح أقوى من كل تلك الأمنيات البعيدة. فلا احد تساءل عن مصير الاعلامي البارز الذي لا يزال إلى الآن يدير قناة تلفزيونية خاصة، ولا بحث ايضا عن الرواية الأصلية والحقيقية للاحداث. خوف مبالغ من خرق القواعد والتمرد عليها؟ أم إدراك بان القصة لم تعد تجلب اهتمام الناس وشغفهم الواضح للإثارة؟ النتيجة في كلتا الحالتين واحدة لان النجم الذي كان قبل شهور فقط محط اهتمام الجميع صار الآن بنظر الكثيرين مختلا عقليا لا يمكن تصديقه أو حتى الاقتراب منه، وفسح المجال مجددا امامه فيما حافظ الاعلام المحلي على رشده وصفائه الذهني القديم، والأهم من ذلك على حصانة القلعة من كل اختراق أو سعي إلى التطور والتجديد.
إنها السطحية الخرقاء التي قتلت كل معنى لحرية الصحافة والاعلام وجعلتها تبدو بنظر الجمهور في اقصى الحالات وافضلها مجرد لعبة من ألعاب الحظ يمارسها الاقوياء واصحاب النفوذ فقط لغرض المتعة والتسلية أو الثأر والانتقام من الخصوم. ولاجل ذلك لا يلوح أن هناك اهتماما قويا أو واسعا من الناس للحفاظ على تلك الحريات وتحصينها ما دام وجودها أو غيابها لا يمثل اي تهديد شخصي ومباشر على حياتهم أو مكتسباتهم مثلما يعتقدون. لقد فقدوا ثقتهم نهائيا بما يقوله الإعلام ولم تعد برامج «التوك شو» تثير اهتمامهم او تجلبهم مثلما كان الامر عندها انطلاقها الفعلي بعد هروب بن علي، رغم انه من المفترض أن تكون هي مساحة الجذب الأولى والأكثر قابلية للاختلاف والتنوع. وفيما كانت بضاعة الاذاعة والتلفزيون والجرائد تعاني كسادا شعبيا وتثير سخرية التونسيين وشعورهم بغباء النظام وضيق صدره امام كل صوت معارض، لم يكشف زمن الديمقراطية والانفتاح الاعلامي سوى وجه قبيح ومشوه للبضاعة البديلة، وهو الانفلات شبه التام من كل قيود المهنية، وحتى الأخلاق سعيا وراء الإثارة الرخيصة. ليس مهما اذن ما الذي يقوله أو يكتبه الإعلامي، ولا ثمن أو طريقة حصوله على المعلومة، وليس ضروريا كذلك صدقها أو كذبها، أو درجة وقعها، أو الضرر الذي يمكن أن تتسبب فيه مادام الهدف واحدا وهو تحقيق أعلى نسب المشاهدة، وأرفع ارقام المبيعات، وما حصل منذ ايام قليلة فقط قد يكون الدليل الإضافي على ذلك، فقد خرجت عدة صحف ومواقع إعلامية وقنوات تلفزيونية لتقدم رواياتها للانفجار الذي هز حافلة في قلب العاصمة كانت تقل افرادا من الامن الرئاسي، بدون انتظار الرواية الرسمية أو حتى التثبت والتدقيق فيما نقلته بشكل متسرع وعاجل، حدث ذلك بدون أن تقدم أي منها اعتذارا عن اخطاء مهنية فادحة ارتكبتها في زحمة ركضها المتواصل وراء الانفراد والسبق، وسيحصل ذلك ايضا كلما حلت بتونس مأساة أو مصيبة أخرى، مادام صناع الروايات يجدون سوقا عامرة ومفتوحة لا حساب فيها، حتى لمن كانوا عرضة للاكتئاب النفسي الحاد الذي كان النجم الاعلامي المشهور آخر ضحاياه المعلنين والمعروفين.

٭ كاتب وصحافي من تونس/”القدس العربي”