الرئيسية / وجهات نظر / الإرهاب والتجربة المغربية
إدريس الكنبوري

الإرهاب والتجربة المغربية

سجل المغرب حضورا وازنا على الصعيد الدولي في الآونة الأخيرة، بعد الكشف عن الدور الرئيسي الذي قامت به أجهزة مخابراته في تحديد موقع عبدالحميد أباعود، المواطن البلجيكي، الذي كان وراء تفجيرات باريس يوم الثالث عشر من نوفمبر، ممّا مكن السلطات الأمنية الفرنسية من الوصول إليه.
وجاءت زيارة العاهل المغربي محمد السادس الخاطفة إلى باريس، في أعقاب تلك الأحداث، بمثابة تأكيد لعزم المغرب على الانخراط الفعلي في المنظومة الإقليمية والدولية لمكافحة ظاهرة الإرهاب، الذي أصبح عابرا للقارات والحدود؛ بمثل ما جاء إعراب الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، عن العرفان تجاه المغرب، كنوع من الاعتراف بريادته في هذه المنظومة.
ولا شك في أن الكشف عن دور المغرب في تلك العملية بالاسم، بالرغم من أن وزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف تردد في ذكر اسمه، واكتفى بالإشارة إلى بلد أجنبي ساعد فرنسا على تصفية واحد من أبرز المتطرفين الذين أقضوا مضجع الفرنسيين، يعد ـ في الأعراف الأمنية ـ مغامرة، بالنظر إلى المخاطر المحدقة بأمن بلدان المنطقة المغاربية، التي توجد تحت التهديد المباشر بفعل التحركات الكثيفة للخلايا المتطرفة.
بيد أن سلطات الرباط باتت تدرك بأن الإرهاب واقع فعلي اليوم، ويجب التعامل معه من منطلق المواجهة الصريحة، وبأن مشاركتها في تفكيك واحد من الألغاز الكبرى في تفجيرات باريس، يشكل مدخلا نحو فتح صفحة جديدة من التعاون الدولي في محاربة الإرهاب، خصوصا أنه يوجد في موقع البلد الوحيد الأكثر استقرارا في المنطقة، وسط ساحة مفتوحة على كل المخاطر المحتملة، منذ ما سميّ بـ«الربيع العربي» الذي أدخل الوضع الإقليمي في حالة غير مسبوقة من عدم الاستقرار.
لقد تمكن المغرب طيلة السنوات العشر الماضية بشكل خاص من مراكمة تجربة مهمة في ما يرتبط بالتعامل مع موضوع التحديات الأمنية؛ ذلك أن التحولات التي حصلت على المستوى الدولي منذ تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001، جعلته يركز على محورين أساسيين في استراتيجيته الأمنية الموجّهة إلى محاربة ظاهرة التطرف الديني، الذي تشكل الجماعات السلفية المسلحة أبرز تعبيراته في الوقت الراهن.
يتمثل البعد الأول في بناء منظومة أمنية قوية، من خلال إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية في البلاد، وتركيزها بما يضمن حسن التنسيق في ما بين مكوناتها، وذلك تحت إشراف الملك محمد السادس شخصيا، الذي يعد في نفس الوقت رئيس الدولة والقائد الأعلى للقوات العسكرية، التي تشمل مختلف المستويات الأمنية. وتلعب هذه المركزية التي يتمتع بها الملك أهمية قصوى في تحقيق الانضباط والحيلولة دون حصول اختلافات واسعة في التقدير بين مختلف الأجهزة الأمنية، وفي إبعاد المؤسسة العسكرية والأمنية عن النزاعات السياسية، كما يحصل في بعض البلدان المشابهة التي تتعرض فيها أجهزة الأمن والجيش للاختراقات السياسية، وتحاول المزاوجة بين الدور الأمني والدور السياسي، بما يؤدي إلى خصومات بينها تكون لها انعكاسات سلبية على مستوى الأداء.

إقرأ أيضا: التعاون الأمني بين المغرب وفرنسا

أما البعد الثاني في هذه الاستراتيجية، فيتمثل في إعادة هيكلة المؤسسات الدينية، وضبط مجال الدعوة والخطابة، ونهج سياسة العصا والجزرة تجاه أتباع التيارات السلفية المتطرفة بالمواجهة الأمنية مع ترك الباب مفتوحا أمام الرجوع، ووضع مؤسسة إمارة المؤمنين ـ الصفة الدينية للملك ـ في قلب كل هذه العملية، بحيث يتم الربط جدليا بين مطلب الأمن “الروحي” ـ كما يسمّيه الخطاب الرسمي ـ ومطلب احترام حرمة هذه المؤسسة، وهو ما يجعل الخطاب الديني الذي يتم إنتاجه على هامش هذه الأخيرة تحت طائلة المحاسبة؛ ذلك أن هذه الاستراتيجية الدينية بنيت على أساس أن مؤسسة إمارة المؤمنين هي وحدها التي تتمتع بمشروعية الحديث باسم الإسلام، من خلال المؤسسات التي تنضوي تحتها، وعلى رأسها المجلس العلمي الأعلى.
وقد شمل هذا البعد الثاني أيضا إنشاء مجلس علمي خاص بالجالية المغربية المقيمة في أوروبا، ومجلس الجالية المغربية بالخارج، الذي يعد الأداة الرئيسية في تدبير الملف الديني للمغاربة في المهجر.
منذ تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الأميركية، وانطلاق دوامة عولمة الإرهاب، وجد المغرب نفسه في مركز الأحداث الكبرى التي استهدفت العواصم الغربية. فعدد من المتورطين في التفجيرات التي حصلت في هذه العواصم كانوا من حملة الجنسية المغربية، كما هو الحال بالنسبة إلى الخلية التي نفّذت تفجيرات محطة القطارات في مدريد في العام 2004، التي ظهر أنها جزء من شبكة واسعة تتجاوز الحدود الأسبانية.
وعندما بدأت المواجهة في سوريا في العام 2011 كان المغاربة على رأس الجنسيات الملتحقة بالجماعات الإرهابية المسلحة، بل إن عددا منهم احتل مراكز قيادية بارزة في هذه الجماعات، وفي مختلف الأحداث التي شهدها التراب البلجيكي أو الفرنسي كانت الأعين تتجه ناحية المغرب.
ولذلك من الطبيعي أن يعتبر البلد نفسه جزءا من شراكة دولية في مواجهة التحدي الإرهابي، وأن يعتبر أمنه الداخلي مرتبطا بمستوى التنسيق والتعاون الذي يبديه تجاه شركائه.

* كاتب مغربي/”العرب”