الرئيسية / وجهات نظر / المغرب بخير خلافاً لدول الجوار
سمير صبح

المغرب بخير خلافاً لدول الجوار

أشارت الوكالة الفرنسية لضمان الصادرات «كوفاف» الشهر الماضي، إلى تفاؤل حذر حيال اقتصادات المنطقة الممتدة من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر، تحديداً دول اتحاد المغرب العربي المؤلف من الجزائر والمغرب وتونس وليبيا وموريتانيا. وشملت تصنيفات الوكالة أخطار تمويل التجارة ومناخ الأعمال والمديونية الخارجية والاحتياط النقدي والعجز المالي لهذه البلدان.
ففي وقت ركز خبراء «كوفاف» على التفاوت في حجم الإخطار ونسب النمو والعجز النمو والعجز المالي في منطقة المغرب العربي، رأى هؤلاء أن وضع المملكة المغربية يختلف عن جيرانه من الناحيتين الاقتصادية والمالية. فهو يبدو بنظرهم في وضع أفضل كونه أبقى رأسه فوق الماء، ما جعل اقتصاده يتنفس، وهو مرشح وفق تقديراتهم إلى تحقيق نمو يزيد على 4.5 في المئة.
يأتي ذلك على رغم العوائق البنيوية المهمة التي تعترض النمو كمعدلات الفقر إذ يعيش حوالى خمسة ملايين مغربي تحت خط الفقر (20 درهماً أو 2.5 دولار يومياً)، ومعاناة 8.5 مليون شخص في البلاد الأمية، وعدم القدرة على تطبيق الإصلاحات المتعلقة بالقضاء والتربية والصحة. وهذه أمور باتت تحتل صدارة الأولويات بالنسبة للعاهل المغربي محمد السادس الذي يحاول تخصيص الموازنات الكافية لها والعمل لسد الثغرات الموجودة.
وأظهرت بيانات مغربية صادرة عن دائرة الإحصاءات ووزارة التخطيط تحولات اقتصادية إيجابية أدت إلى انحسار كبير في العجز التجاري نتيجة ارتفاع صادرات السيارات (عبر إنتاج مصانع «رينو» و»بيجو» في المنطقة الحرة بطنجة التي تعتبر الأولى في القارة الأفريقية) وصادرات الفوسفات بعد التطوير الهائل لقدرات الإنتاج منه ومشتقاته وتحديث آلياته التقنية والإدارية، والصادرات الغذائية والزراعية بعد فتح الأسواق الروسية أمامها اثر العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على موسكو.
وثمة قفزة كبيرة ولو نسبياً في تدفق الاستثمارات الخارجية المباشرة خلال الأشهر التسعة الأولى من 2015 لتصل إلى 2.44 بليون دولار. ومن التحولات الإيجابية أيضاً تراجع عجز الموازن العامة المتوقع العام المقبل إلى 4.3 في المئة واستقرار التضخم عند 1.8 في المئة.
هذه أبرز التحولات الإيجابية التي تساعد الاقتصاد المغربي ليبقى بمنأى عن العاتيات على خلاف ما حصل في الدول المغاربية المجاورة مثل تونس وليبيا وحتى الجزائر ولو بصورة أقل. وهو قابل للتطور كما تتوقع المؤسسات المالية العالمية كالبنك وصندوق النقد الدوليين. وتنظر الأوساط الاقتصادية والمالية الغربية المتعاملة مع المغرب إلى إطلاق مبادرة استثمارية للتنمية الاجتماعية في شكل جديد من قبل الملك محمد السادس في آب (أغسطس) الماضي بقيمة ستة بلايين دولار. ويهدف المبلغ المرصود إلى تمويل 21 ألف مشروع جديد في مجالات البنية التحتية والصحة والتعليم والسكن والعمل والخدمات الأساسية بهدف تحسين مستوى معيشة 12 مليون شخص من سكان المناطق النائية والفقيرة والأحياء المهشمة.
ويشير خبراء إلى هبوط واردات القمح بمعدل 30 في المئة بسبب ارتفاع المحصول المحلي من الحبوب إلى مستويات قياسية العام الحالي. وفي شكل مواز، سجلت تحويلات العاملين في الخارج 4.5 مليون شخص ارتفاعاً لتصل إلى ما يقارب خمسة بلايين دولار في وقت سجلت فيه السياحة تراجعاً طفيفاً بلغت نسبته نحو 0.9 في المئة ما يمكن تعويضه في الفصل الرابع من هذا العام خصوصاً مع فترة عيدي الميلاد ورأس السنة.

اقرأ المزيد: المغرب ينشئ أكبر محطة للطاقة الشمسية في العالم

وتعتبر المؤسسات المالية العالمية أن من الأسباب التي أدت إلى تحسن أداء الاقتصاد المغربي في السنتين الماضيتين تقليص نفقات صندوق المقاصة على مراحل بنحو 70 في المئة فهذا الصندوق المسؤول عن دعم المواد الأساسية كان سبباً رئيساً في العجز عبر دعم الوقود.
ومن العناصر الأخرى التي أدت دوراً في ثبات اقتصاد المغرب وتحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي، الاستقرار السياسي والأمني الذي تفتقده دول مثل ليبيا وأحياناً تونس والجزائر، وكذلك الإصلاحات الاقتصادية والتشريعية التي جرت وجعلت من هذا البلد قبلة للاستثمارات وشريكاً للعديد من التكتلات الاقتصادية الكبرى في مشاريع التنمية الأفريقية. ومن العوامل الأخرى التي يجب أخذها في الاعتبار تدني فاتورة الطاقة ببليوني دولار في سبعة أشهر نتيجة تهاوي الأسعار العالمية للنفط، وانعكاسات ذلك على الموازنة وميزان المبادلات التجارية الخارجية.
ويتابع محللون إعلان المغرب انطلاق مهمة خبراء الطاقة النووية لدرس إنشاء محطات نووية سلمية لتوليد الكهرباء في غضون 10 إلى 15 سنة، الأمر الذي يعتبر من المزايا القيمة من أجل التصدي للمشاكل المتعلقة بندرة المياه. وفي هذا الإطار ينبغي لفت النظر إلى المشاريع العملاقة الأخرى التي يستعد المغرب لإطلاقها في الأشهر المقبلة على غرار الطريق السيار للمياه عبر نقل المياه من الشمال إلى الجنوب، وبناء محطات تحلية مياه البحر على ساحلي الأطلسي والمتوسط. وحقق المغرب تقدماً مهماً في السنوات الأخيرة على صعيد امتلاكه أبرز مشاريع توليد الطاقة من المصادر المتجددة مثل الرياح والطاقة الشمسية لتوفير 40 في المئة من حاجته بحلول عام 2020.

* مدير مؤسسة «ساغا» للاستشارات الاقتصادية – باريس/”الحياة”