الرئيسية / وجهات نظر / «داعش» في الزاوية الحادة
آمال موسى

«داعش» في الزاوية الحادة

هناك حقيقة أصبحت اليوم واضحة للجميع٬ ومن الصعب التقليل من أهميتها ووزنها. وتتمثل هذه الحقيقة في أن تطاول تنظيم داعش على فرنسا٬ والإقدام على فعل تلك المجزرة الشنيعة٬ قد أنتج تحولا نوعيا في تعامل أوروبا٬ والغرب عموما٬ مع هذا التنظيم. أي أن مؤشرات٬ واستعدادات عدة٬ تشير إلى وجود منعرج في طبيعة التعاطي مع ملف «داعش».
وما يمكن أن نستنتجه من حصول مثل هذا المنعرج٬ يشمل نقاطا كثيرة٬ لعل أولها أنه لا يكفي خطف «داعش» لأوروبيين وقطع رؤوسهم والتمثيل بجثثهم حتى يتم اتخاذ القرار العملي النوعي إزاء «داعش». ونقصد بذلك أن استهداف الفضاء المكاني الأوروبي٬ محدد أساسي من محددات اتخاذ مواقف نوعية وفاعلة.
ولعل مثل هذه النقطة٬ التي دائما ما تلتقطها النخب العربية والإسلامية بشيء من الامتعاض٬ تزيد في تأكيد فكرة التعامل التفاضلي الأوروبي الغربي بين مجتمعاته ومجتمعاتنا٬ وضحاياهم وضحايانا.

اقرأ المزيد:فرنسا تدق طبول حرب موسعة ضد داعش

ففي مرات كثيرة تكشف النخب السياسّية الأوروبّية الحاكمة عن ازدواجية خطابها وسلوكها إزاء ما يسمى حقوق الإنسان٬ والفكرة المركزية التي تقول إن البشر متساوون٬ مهما كان انتماؤنا الجنسي والعرقي والديني.
أما الشق الثاني من الاستنتاجات٬ التي يمكن التفكير فيها بخصوص المنعرج الذي أحدثته الضربة الفرنسية وبخصوص نمط وشرعية التعاطي مع تنظيم داعش٬ فإنه يتمثل بالأساس في مجموعة الأسئلة التي أثارتها:
بماذا يمكن أن نفسر استفزاز «داعش» لفرنسا٬ وإلى أي مدى يمكن أن تكون جرائمه قادرة على مواجهة استنفار أوروبي مدفوع برغبة الثأر الفرنسية الأوروبية؟
نطرح هذه الأسئلة٬ لأنه من الصعب الاكتفاء باستنتاج أن «داعش» وضع نفسه عن قصد في الزاوية الحادة٬ وأنه فعل ما سُيعجل القضاء عليه.
بمعنى آخر٬ هل يدرك «داعش» بشكل جدي أنه تجاوز الخطوط الحمراء٬ وأنه استعجل قطع دابره؟
في الحقيقة أن هذه الأسئلة التي أطرحها ويطرحها غيري بلغة أخرى٬ والمضمون تقريبا نفسه٬ مشكلتها في أنها متولدة عن المنطق٬ وعن تنزيل ممارسات تنظيم متطرف تكفيري مجرم٬ في مقاربة عقلانية الأسئلة والمعجم والتفكير٬ والحال أن هذه التنظيمات هي وجود وفعل وأداء مضاد للعقلانية٬ ولو كانت تعتمد على الحد الأدنى من العقلانية لما كانت موجودة أصلا. وهو ما يعني أن هذه التنظيمات الدوغمائية٬ المنغلقة في الزمان والفكر والسؤال والمعنى والخطأ أيضا٬ لا تستطيع في النهاية إلا أن تسير نحو نهايتها وحتفها. مشروع يقوم على إلغاء العقل٬ فتهبط عليه لعنات العقل. ناهيك عن أن الانغلاق٬ إلى درجة الظلام الدامس الحالك٬ لا ينتج سوى شعور وهمي بالنجاح والانتصار٬ وفي الدرجة الصفر من الوهم٬ يرتكب «داعش» الخطأ الفادح ويحشر نفسه في زاوية الموت.
بعد ضربة فرنسا٬ يمكن القول إن النخب السياسية الأوروبية٬ بدأت تعرف نوعا من اليقظة الإيجابية٬ وأنه لا مفر من وقف الخطر الداهم والمتغول.
الآن يمكن الحلم بعالم من دون «داعش». ولا يهم كم من الزمن سيتطلب ذلك. فالمهم هو توفر الإرادة الأوروبية الدولية٬ وتعمق الشعور بمخاطر التنظيمات الإرهابية٬ حيث بات متأكدا أنه ليس فقط العراق وسوريا وليبيا (مع الفارق طبعا) المجني عليها من طرف «داعش»٬ وأن جوع هذا الأخير٬ بدأ يصبح أكثر قوة٬ ويستهدف كل نماذج الحكم المخالفة لمشروعه الأسود.
وفي الحقيقة٬ هناك جزئية مهمة جدا من المهم أن تتفطن إليها النخب الفكرية والسياسية الأوروبية٬ كي تلقى جهود محاربة «داعش» التجاوب والدعم. أي أن توفر الشعور بالمسؤولية لدى اليمين المتطرف في أوروبا مسألة مهمة جدا كي لا تجد التنظيمات المتطرفة التكفيرية الحطب الذيُيغذيها ويزيد في عدد أتباعها ومنتدبيها.
لذلك٬ فإن التمتع بكفاءة التمييز بين الإسلام ومجتمعاته وثقافته وحضارته وتنظيمات الموت٬ التي لا تنتمي في واقع الأمر إلى أي دين أو مذهب٬ نقطة تعد مفصلية.
لا بد من القطع مع المتاجرة السياسية٬ التي يقوم بها اليمين المتطرف في أوروبا٬ والتي تقوم على استعداء الإسلام ومحاولة إلباسه كل ما يطرأ من انحرافات من المفروض أنها لا تلزم سوى أصحابها.
بمعنى آخر٬ ليس فقط التحرك العسكري الذي يقضي على «داعش» وغيره٬ بل أيضا وقبل ذلك وبالتوازي معه٬ رسكلة الخطاب الإعلامي والسياسي والثقافي الغربي حول الإسلام وصورة الإنسان المسلم.
هكذا يمكن الحلم بالفعل بعالم من دون «داعش» لأن أي حلم لا يستند إلى مؤشرات قوية في الواقع تدعمه٬ هو بمثابة الوهم الخالص. فالقضاء على «داعش» مقّدمة قوية جدا لكنس مخالب التنظيمات المتطرفة القاتلة.

*كاتبة وشاعرة تونسية