الرئيسية / وجهات نظر / الجزائر: رسالة محرجة من أصدقاء الرئيس
697

الجزائر: رسالة محرجة من أصدقاء الرئيس

في سابقة نادرة الحدوث في السياسة الجزائرية، تكشف بوضوح عن عمق الأزمة السياسية التي تعيشها البلاد، وجهت 19 شخصية وطنية (ثم أعلنت 3 شخصيات انسحابها) رسالة إلى الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ذات حمولة رمزية كبيرة، ابتداءً من تزامنها مع ذكرى انطلاق الثورة الجزائرية في أول نوفمبر/تشرين ثاني الجاري، مروراً بالأطياف المتعددة لموقعيها، الروائي، المجاهد، الحقوقي، والزعيم الحزبي، انتهاء بطلبها الذي لم يكن تقليدياً ألبتة، فقد طلبت مقابلة شخصية مع الرئيس. ويروم هذا الطلب الرمزي من “أصدقاء للرئيس” إحراج الطرف المقابل الذي يعتقد هؤلاء، ومعهم كثيرون في الجزائر، أنه يستأثر بمركز القرار، من دون علم الرئيس، مستغلاً مرضه. وبذلك، يتضح أكثر أن الساحة السياسية في الجزائر حُبلى بمجهولين من “المستر إكس”، الأول هو الذي يقوم بمهام آنية تتعلق بالحاضر، ويتخذ قرارات باسم الرئيس، أما الثاني فمستقبليّ يحمل في يديه الجواب عن السؤال الأغلى في هذه المرحلة: من الذي سيخلف بوتفليقة؟
على الرغم من أن الترجيحات تكاد تُجمع حول مستشار الرئيس وشقيقه، سعيد بوتفليقة، مُجسداً للمجهول الأول في المعادلة السياسية الجزائرية، فإن الرسالة التي عبّرت، في بعد آخر لها، عن تغيّر جذري في الفعل السياسي، وذلك أن قرارات مثل “التخلي عن إطارات الدولة، وتعريضهم لعقوبات مغرضة”، حسب نصّ الرسالة، في إشارة واضحة إلى الاعتقال الاستعراضي الذي تعرّض له الجنرال المتقاعد، حسين بن حديد، الذي تعرّض، في حوار إذاعي، لسعيد بوتفليقة ومقربين منه، إضافة إلى حبس زميله الجنرال حسان، تخفي ممارسات شخص حديث العهد بالأعراف السياسية في البلد، وغير متمرس في دواليب السلطة في الجزائر، إذ لا يلجأ النظام عادة إلى مثل هذه الخطوات تجاه خصومه، ويعتمد أساليب لا يتقنها سوى الراسخون فيه، وأقواها تلك العتمة التي يحسن النظام خلعها على معارضيه، والأمثلة كثيرة في هذا الصدد. وسبق لبوتفليقة نفسه الاختلاف مع قادة للجيش، لكنه خلاف لم ينته إلى حبس أيٍّ منهم، بل انتهى إلى عزلة هؤلاء، وابتعادهم عن الأضواء، إلى حين رحيلهم.
تأتي الرسالة إثر توالي أزمات سياسية بأثواب مختلفة، بدءاً من التنحية الغامضة لقائد المخابرات السابق، الجنرال توفيق، نهاية بفصول صراع بين أقطاب مالية ورجال أعمال حول امتيازات تمنحها الدولة الجزائرية، وهي أزمات كشفت، دوماً، عن انتصار لمحيط الرئيس، استناداً إلى ثقله، وهذا بالذات ما تحاول الرسالة استيضاحه، خصوصاً أن عدداً من موقعيها ممن عُرفوا بقربهم من بوتفليقة، على غرار وزيرة الثقافة السابقة، خليدة تومي التي قالت، بصراحة، إن “هذه القرارات تتنافى مع مبادئ فخامة الرئيس ومواقفه”، في تشكيك واضح لمصدر هذه القرارات.

اقرأ المزيد: “مجموعة 19” لبوتفليقة: البيت يحترق يا سيادة الرئيس

وتكشف الرسالة، في لجوئها إلى العلنية، لا جدوى القنوات الخلفية التي تمرّر عبرها مثل هذه الرسائل عادة، كما أكدت تومي نفسها، عندما قالت إنها بعثت رسالة في فبراير/شباط الماضي، من دون أن تصل إلى الرئيس. وتكشف، أيضاً، عن خفة الوزن السياسي للمعارضة، التي على الرغم من اتحادها في “قطب التغيير”، لم تنجح في تشييد إجماع شعبي أو نخبوي حول “معارضتها”، إذ تثبت هذه الرسالة، بمحتواها كما بلهجتها، وتأكيدها على انعدام لونها السياسي، عن محاولة لبلورة نوع من الممانعة للمصير الذي يتشكل بعيداً عن الأضواء الرسمية، كما تؤكد صياغتها التي اتسمت بالعمومية العالمة بالأمور استهدافها نقاطاً يراهن محرروها العارفون والمتمرسون في السياسة الجزائرية أنها ستدفع الرئيس بوتفليقة، في حال الاطلاع عليها، إلى الاستجابة بطريقة ما.
وبذلك، يبدو أن محيط الرئيس الذي قويت شوكته بعد عهدة بوتفليقة الرابعة الإشكالية، مثلما زادت الانتقادات الموجهة إلى هذا المحيط، خصوصاً فيما يتعلق بصحة الرئيس، يشهد، على إثر هذه الرسالة، أعسر امتحاناته منذ مرض الرئيس بوتفليقة، ويدرك المرسِلون صعوبة الامتحان الذي فرضوه، سواء بثقل أسمائهم التي ضمت المجاهدة الرمز، زهرة ظريف بيطاط، والمجاهد لخضر بورقعة، سواء في الظرف الحساس الذي تعيشه الجزائر بعد تهاوي أسعار النفط الذي يهدد بتقويض جزء كبير من الإنفاق العمومي، الموجه، في غالبيته، لبرامج استراتيجية مثل الإسكان ورواتب القطاع العام الذي يشتغل فيه جزء كبير من الجزائريين؛ يضاف إلى هذا كله نصّ الرسالة الذي خاطب، في جزء كبير منه، الذات النرجسية لبوتفليقة التي يعرفها هؤلاء جيّداً، وتحاول هذه الرسالة، بوضوح، أن تحصل جواباً بنفسها، وألا تدع نفسها رهينة بإجابة القدر أو “دّابة الأرض”، كما في المثال القرآني المشهور. ولا شكّ في أن هذه الرسالة، بغضّ النظر عن جواب الرئيس المنتظر من عدمه، ستحرّك مياه السياسة الراكدة في الجزائر.

* كاتب جزائري/”العربي الجديد”