الرئيسية / وجهات نظر / التحولات الفكرية والتنظيمية للتيارات وتعزيز لغة الحوار
9c3f2d4273a2aaea240cf417ce0a4978

التحولات الفكرية والتنظيمية للتيارات وتعزيز لغة الحوار

تنضم بعض الأصوات الإسلامية من رموز حركية وحزبية مؤخرا إلى الدعوة من أجل المراجعات الفكرية والتقويم في أفق تعزيز فرص الحوار المؤدي في مداه الأبعد إلى تجنب المغرب كارثة العنف المسلح وتفريخ خلايا التفجير والانتحار، وذلك من خلال السلطة والتيار المنتشر عبر المعتقلات والسجون، التي دخل عليها معتقلوا أحداث الدار البيضاء وما بعدها.
تعبيرا عن الحالة التنظيمية التي أثارت تصريحات وبيانات بعض المشايخ والرموز والعناصر المعتقلة منذ أحداث 16 ماي 2003 الأليمة وإلى اليوم، الكثير من ردود الفعل والتصريحات والمواقف المضادة، التي كانت في غالبها متحفظة من الدخول في أي تعاط إيجابي مع الإشارات التي بعثها أكثر من معتقل من داخل زنزانته، وكان أبرز هذه الإشارات البيان المشهور الذي حرره الشيخ عبد الوهاب أبو حفص وأعقبته ردود فعل قيل أن أعنفها كان من داخل السجن نفسه من المعتقلين الأكثر تشددا في مسألة المراجعة أو التعامل مع المؤسسات الرسمية، تبعه بيان آخر لنفس الشيخ زاد فيه وأوضح على البيان الأول وفتح في نظر البعض الباب مشرعا أمام إمكانية الحوار الذي ظل بابه مقفلا طيلة السنوات القليلة الماضية، رغم مواقف التحول في عقليات بعض الشيوخ والرموز فأن الرغبة في الحوار صارت الآن واقعا ملموسا وحاضرا لدى عدة أطراف، سيما وقد دخلت وزارة الداخلية على خط القبول بالحوار، كما اعلن الوزير شخصيا عن إمكانية الدخول في حوار مع المعتقلين، صحيح أن هذه الأطراف لا تشكل لحد الآن أي مائدة لمدارسة جماعية خشية أن تمتد وتتسع آثارها واتجاهاتها، وقد يمكن في غياب أي وعي فكري أو سياسي تنظيمي، يتميز بالدوغمائية الشديدة والوثوقية الزائدة في مقولات فقهية هي أقرب للخصام المعرفي مع المجتمع والواقع والتاريخ، فان المرجعيات مقتبسة من زعامات منبرية ووعظية خارجة عن الحدود المغربية، أضحت مقدسة ومقرراتها الشبه فقهية غير قابلة للنقاش، بحيث هي مقولات بدأت بالمساهمة في الحركة الدؤوبة التي كانت قائمة بين المغرب وأوربا، وهي حركية اكتست طابع التمويل المالي وكذا المعرفي للتيار زد على ذلك تقهقر دور مؤسسات التربية والتعليم والتنشئة الاجتماعية، وكذا تردي مستوى الإعلام، ثم غياب مشاريع وحلول تنموية شاملة وملموسة وتفشي الثراء السريع للطبقة السياسية من الطبيعي إذن أن ينتج عنه موقف شعبي مضاد مهما كانت غلواؤه أو أخطاؤه.
يعرف المغرب منذ منتصف الثمانينات تراجعا كبيرا على مستوى تأطير المساجد للشباب، مع ما شهدته تلك السنوات من صراع مفتوح بين قوى إسلامية سابقة تمثلت أساسا في حركة الشبيبة الإسلامية من جهة والنظام المغربي من جهة ثانية، و الذي كانت نتائجه توقيف مجموعة مهمة من خطباء المنابر والعلماء الذين كانت تلتف حولهم جموع الشباب يسترشدون بتوجيهاتهم في مجالات الدين والحياة. فإنهم مهيأون بفعل واقعهم هذا للتحاور ومستعدون نتيجة أزمتهم للقبول بالجلوس على طاولة الحوار وممارسة الشد والجذب المؤديين إلى إطفاء شرارة اللهيب التي أشعلتها أحداث 16 ماي وما بعده من اعتقالات وانتحارات وتفجيرات.
لقد دخلنا في مفاوز التوصيف الفكري والتنظيمي لحاجتنا الموضوعية إلى معرفة الطرف الرئيس في عمليتي المراجعة والحوار التي عادة ما تخوضها القوى التي يسقط أعضاؤها في السجون والمعتقلات، وفي الغالب ما يكون السجن مدرسة لتعلم ممارسة النقد الذاتي ومراجعة خطوات الماضي بعثراتها ونجاحاتها.