الرئيسية / وجهات نظر / المحرقة التونسية
97baa88714808c64bf94493d0701fc74

المحرقة التونسية

رغم الجهود التي بذلها الاطباء بمستشفى الحروق البليغة في العاصمة تونس من اجل انقاذ حياة صبي لم يتجاوز الخامسة عشـــرة من العمر، سبق ان تم نقله على عجل وفي حال حرجة ليظل عشرين يومــــا بغرفة الانعاش، فقد باءت محاولاتهم في الاخـــير بفشل، لم يغادر بعده الا وهو جثة هامدة و محترقة. الصبي هو واحد من عشرات أكلتهم النيران في الشهور الاخيرة وجمعتهم رغم اختلاف الاعمار والاسباب نفس النهايات الماسأوية والفظيعة.
ما شد الانظار في معظم العمليات الانتحارية التي ارتفعت معدلاتها بشكل لافت في تونس، وصارت لا تفرق بين كهل وشاب من الجنسين، هي انها صـــارت تأخذ طابع الاستعراض الجماهيري المفتوح، يظهر من خلاله اصرار الضحايا وحرصهم على حسن اختيار مسرح الاحداث واسلوبها، فضلا في بعض الاحيان عن المواعيد المناسبة لمثل تلك العمليات. ويبدو ان الإعداد الجيد لقتل النفس بات يشغل المنتحرين بشكل يفوق في مرات كثيرة ما يبديه الاحياء من اهتمام بالبحث عن فرص جدية لحل ما يواجهونه من متاعب وازمات. يتمدد الاكتئاب في تونس مثل حية رقطاء تحسن الانقضاض السريع على فريستها، تحت ستار سكون باهت وخادع وتمنحها رخاوة النفس وحالة الفراغ وتشتت العقول والضمائر دوافع اضافية للاجهاز النهائي والكامل على الضحايا ودفعهم نحو يأس قاتل ومدمر.
استحكام ذلك اليأس يجعل من الانتحار مسألة على غاية من السهولة والبساطة وقد لا تتطلب في أذهان المقدمين عليها سوى أعواد ثقاب وكمية محدودة من البنزين. والمأساة الحقيقية هي ان قسما كبيرا من الشباب صار يبحث عن نعيمه المفقود في المحارق على تنوعها وتعدد اشكالها. فالذي لا يندفع صوب النار وينتحر حرقا يرتمي في احضان بحر قد يتحول بدوره الى مقبرة كبرى تبتلع الاشخاص والاحلام في قوارب الموت التي لا تتوقف عن النشاط، رغم كل ما يحيط بها من دماء واشلاء. اما من لا يختار الوجهة الاولى او الثانية فقد يصادف محرقة الموت البطيء من قاتل فتاك اخر هو الحشيش. وتكفي بعض المشاهدات العابرة لما يدور داخل المدارس وفي قاعات الدروس، من رواج سريع لتلك السموم حتى يدرك كل من لا يزال حذرا أو متشككا حجم وهول الكارثة المقبلة.
وسط كل ذلك لا يلتفت السياسيون، وبضغط من بعض وسائل الاعلام، إلا لتلك المحرقة البعيدة التي يختارها بعض الشباب، اي المحرقة السورية. وآخر ما قد يشغل بالهم واهتمامهم هو مصير ومستقبل من تركوا الجهاد الحقيقي في تونس، اي جهاد البناء لاستبداله بجهاد زائف وموهوم في بلاد الشام. عودتهم صارت تقض المضاجع وبقاؤهم اصبح قضية شائكة بالغة التعقيد، أما ما تتهيأ الحكومة لانجازه وفقا لما اعلنه رئيسها في مؤتمره الصحافي الاخير فهو ‘قطب لمقاومة الارهاب’ قد تكون اولى مهامه ان يستقبلهم بحفاوة وكرم عربي اصيل متى ما قرروا يوما العودة الى احضان الوطن.
حجم الحرائق الداخلية التي تحصد نسبا عالية من ارواح التونسيين وتتركهم كالصدفات الخاوية لا يزعج السلطات على ما يبدو، ولا يستنفر قواتها الامنية وترسانة قوانينها القديمة ومنظومة تعليمها الهجين البائس، حتى الدعوة التي اطلقها من لندن زعيم حزب سياسي لاعلان الطورائ بالبلاد لمواجهة آفة المخدرات، لم تقابل سوى بمزيد من الصمت والتجاهل مع كثير من الاستعلاء من جانب النخب الفكرية بالبلاد. كل ما تبقى هو بيان اصدره المفتي قبل ايام يجدد من خلاله التأكيد على ان قتل النفس بأي وسيلة كانت، حرام في الاسلام، وان اللجوء الى الانتحار يعود بالاساس الى ‘ضعف الايمان بان رحمة الله اوسع من اسباب اليأس والقنوط’.
كلمات المفتي التي اكتفت الصحف المحلية بنقلها على صفحاتها الداخلية، ولم يعلق عليها السياسيون هذه المرة لا بالرفض ولا بالقبول، تعطي اشارت واضحة على ما تتخبط فيه تونس من انفصام حاد بين اسلام حاولت بحذر ومواربة فك الارتباط به، وحداثة لم تستطع رغم الاصرار والعناد ان تلحق بها وتسير على هديها. تلك الوضعية التي لا يشعر فيها الناس بقوة وصلابة الانتماء وتصبح فيها القلوب والضمائر خاوية ومصابة بالتكلس، هي مكمن الداء في تونس. وما يحصل في المقابل هو ان لا احد يستطيع الحسم بوضوح وتحديد الوجهة، مادامت البوصلة مفقودة او مشوشة في افضل الاحوال.
قد يكون حقن الدماء هو الثمن الاغلى للتوافق السياسي الذي جنب البلد ما حصل ويحصل داخل نفس البلدان، التي بدأت معه تجارب الانتقال الديمقراطي، ولكن الاثار الصادمة والمريعة التي تتركها المحارق المفتوحة لا على الضحايا فحسب، بل حتى على الاسر والعوائل والاطفــــال، سوف تترك دونما شك ندوبا تصعب ازالتها في المستقبل، وقد تتحول بدورها الى خطر اضافي آخر يهدد بنسف الخطوات القليلة والمهمة التي قطعها البلد نحو الخروج النهائي من شرك الاستبداد ومخلفاته.
“القدس العربي”