الرئيسية / وجهات نظر / ليبيا: احتجاج الأغلبية الصامتة
إبراهيم الفقيه

ليبيا: احتجاج الأغلبية الصامتة

أكثر شيء تجيده الأغلبية الصامتة هو الصمت. الحديث هنا عن أغلبية الشعب الليبي التي تعاني كروب الوضع الراهن وويلاته، وهي كروب تسببت في إحداثها فئة قليلة من أهل البلاد، ممن استولوا على سلاح الدولة، الذي بقي متاحا للنهب والسرقة بعد انهيار الحكم السابق، واستخدموه في تخريب ما تبقى من مؤسسات هذه الدولة، وارتكاب كل أنواع الاختراق للقانون، ووقفوا حجر عثرة بين الشعب وعودته إلى استئناف حياته الطبيعية، في دولة كانوا يرجون تحقيقها، يسودها العدل والقانون، وينعم أهلها بثروات أرضها.
وهي حالة أثارت قلق الناس وغضبهم، واتخذ التعبير عنها أشكالا كثيرة، ولكنها لم تنتظم في سياق واحد فاعل، قادر على إظهار قوة هذا الغضب وهذا القلق. فهناك من حاول التعبير عن استياء أغلبية الشعب الليبي بالتظاهر في فترات متقطعة وأماكن متفرقة، وهناك من جاء تعبيره عن طريق إدانات وصرخات احتجاج على الخروقات والجرائم التي ترتكب في حق المواطن العادي من قبل الميليشيات، والوصول بها إلى وسائل الإعلام، أو بلاغات إلى المنظمات الحقوقية على المستوى المحلي والإقليمي والدولي.
وأحيانا كان أفراد الميليشيات أنفسهم، يثيرون الرأي العام العالمي بفداحة ما يرتكبونه من جرائم طالت عناصر في مؤسسات دولية أو بعثات دبلوماسية، إلى حد أن كل البعثات الدبلوماسية انسحبت من ليبيا، وصار الوضع الميليشياوي الذي يسيطر على عدد من المناطق، خارج الحراك الشرعي، مكشوفا ومفضوحا، ومرصودا في ما يقوم به، أو يمارس تحت غطائه من عمليات سطو ونهب وخطف واعتداء على المال العام، ومع ذلك كله، ورغم ذلك كله، ظلت أغلبية الشعب الليبي تتحمل هذه المعاناة في عجز وصمت، غير قادرة على الفعل والمبادرة، وإظهار صوت الاحتجاج والاعتراض، بما يجب أن يظهر عليه هذا الصوت من ارتفاع وقوة، تتردد أصداؤه في كل أرجاء المعمورة.

اقرأ المزيد: ليبيا: حكم الفوضى

وهو موضوع جدير بأن يحظى باهتمام الطليعة المستنيرة، بالبحث عن سبيل لإظهار احتجاج أغلبية الشعب الليبي، والوصول به إلى الفعالية المطلوبة، ووجدت أن أكثر إنسان قادر على مناقشته في هذا الموضوع هو عميد الحقوقييين الليبيين، ونقيب نقباء المحامين في ليبيا، منذ تأسيس هذه النقابة، المحامي والسياسي الذي عانى ويلات السجن والمنفى لعدة عقود، الأستاذ عبدالله شرف الدين، خاصة وأنه الآن في أنضج مراحل العمر، يقف على قمة هرم من التجارب امتدت لأكثر من ستين عاما، منذ تخرجه في الخمسينات من كلية حقوق القاهرة.
كان السؤال الذي دار حوله النقاش، هو كيف للأغلبية الصامتة في ليبيا، أن تعبر عن احتجاجها، وتظهر إلى العالم صوتها، وقد صار الصمت أسلوبا لحياتها، يعطي انطباعا خاطئا عن موقفها وكأنها راضية بما يجري، وهي أكثر الناس رفضا له، لأنها أكثر الناس تعرضا لآلامه وأهواله، ووصلنا إلى اتفاق أن الصمت نفسه يمكن أن يكون وسيلة احتجاج، لو أُجيد استخدامه كأداة للاحتجاج، وتبلورت الفكرة، بعد العودة إلى تجارب شعوب أخرى، في نوع من العصيان المدني، ربما يختلف قليلا عن الصيغة التقليدية، وهي أن يرابط الناس، كل الناس، في كل أنحاء ليبيا في بيوتهم، ويلتزمون فيها ممتنعين عن ممارسة أي عمل، لمدة ثلاثة أيام، لكي يكون لذلك الأثر المطلوب، فلا يبقى في الشارع إلا العصابات التي سيطرت بالسلاح والبلطجة على المشهد، وهي لا تشكل إلا نسبة ضئيلة من سكان البلاد، لإظهار عزلتها، وإشعار العالم أنها فئة منبوذة من الناس، وحان لها أن تختفي من المشهد، وأن تتيح لمبادرات السلام والمصالحة أن تأخذ طريقها إلى التنفيذ، بفعالية وإيجابية لإنهاء هذه الحالة من الفوضى التي أخذت بعنق البلاد ولا تريد أن تتركها إلا جثة هامدة.
وذكرني الأستاذ شرف الدين، أن شعبا عربيا هو الشعب اللبناني، سبق أن استخدم هذه الوسيلة من وسائل الاحتجاج، لإظهار موقفه إلى العالم، وإلى الحراك الميليشياوي الذي تسيد المشهد في فترة من الفترات.
وقد يسأل سائل عن فعالية مثل هذا الاعتصام في البيوت لمدة ثلاثة أيام، فأقول له إن الفائدة تأتي من كونه إعلانا عن موقف الأغلبية الرافض لما يحصل، الراغب في استتباب الأمن، ومناصرة المبادرات التي تريد إعادة الأمان والسلم والقانون إلى البلاد،
هذه هي الفكرة التي أضعها أمام الرأي العام الليبي المعني بخلاص البلاد وإنقاذها من أزمتها، ومحاربة المتسلطين على مقدراتها جبرا ومغالبة وبقوة السلاح غير الشرعي، وهو أسلوب لا يدخلهم في صراع غير متكافئ مع سلاحهم وقوة نفوذهم، وإنما بأسلوب سلمي حضاري، وأن تُنشئ منذ الآن، من بين أهل الاهتمام، تنسيقية شعبية تدعو الشعب إلى هذا الاعتصام أو هذا الاحتجاج، الذي لا يقتضي من الأغلبية الصامتة إلا أن تبقى صامتة داخل بيوتها، لمدة ثلاثة أيام، ستكون بإذن الله أكثر تعبيرا من كل كلام.

* كاتب ليبي/”العرب”