الرئيسية / وجهات نظر / الأزمة الليبية.. وخلاف الجارتين
??????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????
??????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????????

الأزمة الليبية.. وخلاف الجارتين

في ظل واقع عربي متأزم، وتداعيات لصراع داخلي بعد الانتفاضات المتتالية في الدول العربية، وانشغال دور الجوار بقضاياها الداخلية، لم يعد مُتوقعا مشاركة مصرية أو جزائرية في حل الأزمة الليبية، أو حتى البحث عن حل مشترك بين الدولتين، ما يعني أنه لا جدوى من نفي وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة، وجود “خلاف مع مصر حول طرق حلّ الأزمة الليبية”، وإن كان مُحقًّا في قوله “وجود توافق كبير بين البلدين وسيستمر لدعم الفرقاء في ليبيا”، لكن النتيجة لن تكون على النحو الذي ذهب إليه، والمُتمثِّل في تجاوز الخلافات بين الليبيين وتطويق الأزمة السياسية.
بعيدا عن المجاملات المتبادلة ضمن خطاب دبلوماسي كلاسيكي تجاوزه الزمن يصرُّ على استقلالية الموقف السياسي مع أن الوقائع تؤكد عكس ذلك، حيث التدخل على نطاق واسع في السياستين الداخلية والخارجية للدولتين، فإن القاهرة والجزائر مختلفتان حول ليبيا، وليس من أجلها، وهذا يعني أن نظرتيْهما غارقتان في المصالح الخاصة دون العمل من أجل المصلحة المشتركة بينهما وبين ليبيا، ومن هنا يمكن فهم دعم كل منهما لهذا الطرف الليبي أو ذاك، مع أنهما تنفيان ذلك وتصرِّان على دعمهما لكل الشعب الليبي، وأن المخاوف تنبع من تصدير الإرهاب للدولتين.
عمليا، فإن طول عمر الأزمة الليبية يرجع إلى أسباب داخلية منها: فهم السياسيين الليبيين لطبيعة المرحلة، وما فيها من تأثير القوة القبليّة والمناطقيَّة على الاختيارات السياسيّة، ووصول بعض الأطراف إلى الحكم، وتأثير السلاح في المواقف السياسية، ودور الثروة والجغرافيا في المصير المستقبلي للدولة، وهناك أسباب تتعلق بعلاقة ليبيا (الفوضى والاقتتال)، وأيضا ليبيا (الحاضر والمستقبل) بالجارتيْن الكبيرتين مصر والجزائر، نذكر منها أهم خمسة أسباب وهي:
أولا: محاولات “التمصير”، و”الجزأرة”، وما يتبع ذلك من شد وجذب على الأرض الليبية، وصلة الرؤيتين المصرية والجزائرية بالأطراف الليبية من جهة، وبالأطراف الدولية الضاغطة باتجاه حل يوفر الأمان ويوقف الحرب، بغض النظر عن القسمة الضيزى في الثروة والسلطة بين الليبيين من جهة ثانية.
ثانيا: الخلاف بين الدولتين حول أي الأطراف أحق بالحكم، فبينما تنطلق الجزائر من تجربتها في محاربة الإرهاب لجهة قناعتها بأن القضاء عليه لا يمكن أن يتحقق إلا ضمن حل سياسي يعترف بكل الأطراف الفاعلة على الأرض، بهدف التوصل إلى توافق بين فرقاء ليبيا تكون فيه ميليشيات فجر ليبيا وغيرها من الميليشيات جزءاً من حكومة وحدة وطنية، ترى مصر، انطلاقا من تجربتها بعد إبعاد الإخوان، على وجوب عدم دعم تلك الميليشيات التي لها ارتباطات بأجندات خارجية تحاول تمرير المشروع الإخواني في المنطقة.

اقرأ المزيد: الأزمة في ليبيا والبحث عن عتبة السلام

ثالثا: رفض الجزائر للتدخل الخارجي في ليبيا حتى لو كان سياسيا، وهي تؤسس موقفها هذا على أمرين، الأول أن سياستها الخارجية قامت منذ الاستقلال على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والثاني أنها كانت ضد تدخل الناتو في ليبيا وإسقاطه لنظام القذافي، وهي ترى أن مصر، مثلها أيضا، تقف ضد التدخل في ليبيا خاصة من تركيا وقطر، ولكنها تعتب عليها السير على ركاب دول أخرى تريد محاربة الإسلاميين على الأرض الليبية، بما في ذاك دول عربية مساندة لمصر، وهو ما ترفضه مصر، لأنها ترى أن محاربة الإرهاب تأتي بمساندة كل الدول العربية، الخليجية على وجه الخصوص.
رابعا: بالنسبة للحل العسكري ترى مصر أنه من الضروري توفير الدعم العسكري لليبيا حتى تتمكّن من القضاء على المجموعات الإرهابية، ويكون ذلك من خلال دعم قدرات الجيش الليبي بقيادة خليفة حفتر، لكن الجزائر ترفض أي تحرّك عسكري في ليبيا، حجتها أن الجيش الذي يقوده خليفة حفتر يعدُّ طرفاُ من أطراف الأزمة، وأن دعمه يقوّي فريق على حساب آخر، ناهيك عن اعتراضها على شخص خليفة حفتر، على خلفية ماضيه العسكري في تشاد وعلاقته مع أطراف خارجية، يضاف إلى ذلك فهي تقول بتوفر السلاح على نطاق واسع في ليبيا، وبالتالي فإن توفير المزيد منه، حتى لو كان لدى قوة شرعية سيؤدي إلى مواصلة الحرب الأهليّة.
خامسا: ترى الجزائر، أن الأزمة الليبية أخذت أبعادا دولية منذ بدء الانتفاضة ضد النظام السابق، لكنها كانت ولا تزال مغاربية بالأساس، ولهذا نظرت بعين الرضا إلى لقاءات الصخيرات بين الفرقاء الليبيين، ولم تر الدور المغربي منافساً لها بل نظرت إليه من زاوية التعاون المطلوب لحل أزمة يعيشها الفضاء المغاربي، في حين لم تكن متحمسة للقمة الثلاثية المشتركة (مصر والجزائر وإيطاليا) حول ليبيا في روما مارس الماضي، والتي أُلغيت في اللحظة الأخيرة، وقد أرجع المراقبون ذلك إلى خلافات بين مصر والجزائر.
الأسباب المُؤَسّسة للخلافات بين القاهرة والجزائر حول الأزمة الليبية، تختفي وتظهر حسب التقارب في السياسة بين البلدين، وحسب الضغوط الخارجية، إذ أشارت مصادر مطلعة إلى أن إحدى الدول الأجنبية الكبرى وجهت بتقسيم الملف الليبي بين الطرفين الجزائري والمصري، تتولَّى بموجبه الجزائر الشق الأمني، وتتولّى مصر الشق السياسي، غير أنه لم يتم الالتزام بذلك من الطرف المصري، وذلك حين قامت القاهرة بالتنسيق مع بعض شيوخ القبائل، وتواجدت أمنيا على الأراضي الليبية، وبذلك تداخلت المهام بين الطرفين، ما حال دون مشاركة إيجابية للدولتين، وأثّر سلباً على الوضع في ليبيا.

كاتب وصحفي جزائري/”العرب”