الرئيسية / وجهات نظر / تدبير جديد لملف الصحراء المغربية
HAMI DINE

تدبير جديد لملف الصحراء المغربية

العديد من المراقبين سجلوا بأن تعاطي السلطات المغربية مع قضية الصحراء بات يخضع لمنهجية جديدة، يظهر ذلك بشكل واضح من خلال النبرة الجديدة للخطب الملكية التي باتت تفكك الإشكاليات الدقيقة لملف الصحراء وتقترح حلولا لها بشكل مباشر..
الزيارة التاريخية التي يقوم بها الملك محمد السادس إلى الأقاليم الجنوبية تندرج في هذا السياق وتؤشر على منعطف جديد للقضية الوطنية، منعطف قائم على ثلاثة أبعاد أساسية: البعد الأول يرتكز على محاولة إرساء نموذج تنموي جديد قائم على الإنسان بالدرجة الأولى، الإنسان كمساهم في إنتاج الثروة وكمستفيد من العائدات التنموية للمنطقة، وكمواطن يتمتع بحقوقه الأساسية وبكرامته الإنسانية. هذه هي الفلسفة التي تؤطر المشاريع الجديدة التي انطلقت في الصحراء، والتي تتعلق بتطوير البنيات التحتية وإرساء استثمارات كبرى لتنمية الأقاليم الجنوبية بغية القطع مع اقتصاد الريع ومصالحة الإنسان الصحراوي مع ثقافته الأصيلة القائمة على العيش بما تكسب اليد وليس بالاعتماد على الآخرين..
هذا البعد يستند أيضا على إرادة قوية لتطوير منظومة حقوق الإنسان في المنطقة، وذلك عبر إرساء الآليات المؤسساتية الجهوية التي تعنى بحماية حقوق الإنسان وترسيخ ثقافة احترام الحقوق الأساسية للمواطنين وتجاوز العديد من الاختلالات على هذا المستوى التي عرفتها المنطقة، وسد الطريق على بعض المحاولات الرامية إلى إضافة اختصاص مراقبة حقوق الإنسان من طرف قوات المينورسو التي ترابط في الصحراء لمراقبة اتفاق وقف إطلاق النار منذ 1991.
البعد الثاني: يجد أساسه في النظرية الواقعية للعلاقات الدولية، وهي النظرية التي تؤمن بما هو كائن على الأرض وليس بما ينبغي أن يكون في المثال، فالحقائق التي ترسم على الأرض تَخلق واقعا جديدا تجعل العالم يقتنع بحقائق التاريخ والجغرافيا بعيدا عن المناورات التي تعرفها القاعات المكيفة في العديد من العواصم العالمية..

اقرأ المزيد:الملك محمد السادس يطلق مشاريع ضخمة بالأقاليم الجنوبية

كل شيء يتوقف على الجبهة الداخلية في المغرب التي تراهن على تماسكها وترسل إلى العالم رسالة واضحة بأن الرهان على مشاريع التجزئة والتفكيك هو رهان فاشل، وبالفعل تبدو الجبهة الداخلية للمغرب معبأة أكثر من أي وقت مضى حول قضية الوحدة الترابية للمملكة.
البعد الثالث في هذه الزيارة، هو التأكيد العملي على التطور المؤسساتي الذي يعرفه المغرب من خلاله مباشرة التنزيل الفعلي لمقتضيات الجهوية المتقدمة من خلال انتخاب مؤسسات جهوية جديدة ومن خلال إطلاق مشاريع تنموية واستثمارية ضخمة تتجاوز 77 مليار درهم عبر عشر سنوات القادمة بحول الله..
وهو ما يعني أن الجهوية كخيار سياسي يجعل ساكنة المنطقة تدبر شؤونها بنفسها في إطار الوحدة الوطنية، ويحمل وراءه مشروعا للإقلاع الاقتصادي والنهوض الاجتماعي وبمستوى المعيشة لساكنة الجنوب..
مع المضي في ترسيخ الإصلاحات السياسية والديمقراطية وتقديم الإجابة العملية حول جدية المقترح المغربي القاضي بمنح الأقاليم الجنوبية حكما ذاتيا يمكن سكان الصحراء بمختلف انتماءاتهم السياسية والقبلية بما في ذلك الصحراويون المتواجدون بتندوف من تدبير شؤونهم التشريعية والتنفيذية بكل حرية في إطار السيادة المغربية.
مشروع الحكم الذاتي كخطوة حاسمة لوضع حل نهائي لقضية الصحراء، سيكتسب جاذبية أكبر مع التنمية الاقتصادية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية، ومع حجم الاستثمارات التي ستنتعش طيلة العشر سنوات القادمة، وهو ما يصنع الفرق بين خطابات ديماغوجية تحاول التأثير على ساكنة المنطقة بمنطق انفصالي لا تسايره حقائق التاريخ والجغرافيا، وخطاب وحدوي قائم على التنمية واحترام حقوق الإنسان ويؤسس لمغرب عربي كبير تذوب فيه النعرات المحلية لفائدة كتلة اقتصادية حرجة، بدونها لا مكان لنا في عالم لا يؤمن إلا بالأقوياء.
هذه الأبعاد الثلاثة ستتفاعل فيما بينها لتخلق مناخا جديدا، يتوقف نجاحه على العنصر البشري وعلى الذكاء الجماعي لمختلف الأطراف المتدخلة من دولة ومنتخبين ومؤسسات عمومية وإدارة وقطاع خاص، دون إغفال دور المواطن في هذه العملية..
لاحاجة للتذكير بأن سكان الصحراء وهم يتطلعون إلى القطع مع اقتصاد الريع، ينتظرون إشارات قوية للقطع مع الفوارق الاجتماعية والتفاوتات الاقتصادية بين فئات استفادت من أخطاء الدولة في تدبير هذا الملف في مراحل سابقة، وبين فئات أخرى ظلت تعاني في صمت.
وبدون شك، فإن المقاربة الجديدة هي الرد العملي على جميع النزعات الانقسامية والتأكيد على أن الكلمة في المستقبل هي للتكتلات الاقتصادية القوية التي تتبخر معها جميع الأوهام التي انتعشت زمن الحرب الباردة.

٭ كاتب من المغرب/القدس العربي”