الرئيسية / وجهات نظر / أعطاب المجتمع المدني المغربي
82d4bdbabad9326e1cc0666b65fac0a0

أعطاب المجتمع المدني المغربي

على مدار سنة، اشتغل خبراء وأكاديميون وناشطون مدنيون وسياسيون على فحص أعطاب المجتمع المدني المغربي، ووضعوا، أول من أمس، تقريرهم لدى الحكومة والبرلمان والقصر، وهم فريق من ٦٣ عضواً، كانت مهمتهم الجواب على سؤال كبير ومعقّد جداً، هو: أي دور للمجتمع المدني في دعم الانتقال الديمقراطي.
كُلفت اللجنة التي ولدت بمبادرة من الحكومة بإدارة حوار كبير يجري أول مرة في المغرب والعالم العربي، وإعداد خطة وميثاق ومشاريع قوانين للنهوض بالمجتمع المدني المغربي، وجعله آلية مدنية لزرع قيم المواطنة والديمقراطية والتضامن والتطوع والتدريب على التعاقد بين الأفراد.
ترأس اللجنة العليا للحوار الوطني حول المجتمع المدني إسماعيل العلوي، وهو شخصية سياسية تحظى بالاحترام، وكان رئيس حزب يساري، وقد اختار فريقاً من كل ألوان الطيف السياسي والأيديولوجي، فيهم اليساري والليبرالي والإسلامي والسلفي والقومي، لمساعدته في مهمة معقدة، تتمثل في الاستماع إلى  أكثر من عشرة آلاف جمعية، عاملة في الحقل المدني من أصل مئة ألف جمعية ونادي ومنظمة أهلية، تشتغل اليوم في المغرب، والإنصات لمشكلاتهم  ومطالبهم وانشغالاتهم، ثم بلورة خطة للنهوض بهذا المجتمع، وحل مشكلاته مع الإدارة والإطار القانوني المنظم للعمل المدني والتمويل الداخلي والأجنبي.
أقف، هنا، عند الأعطاب الكبرى التي وقفت عليها اللجنة التي اشتغلت بتوافق بين أعضائها، ومن دون متاريس أيديولوجية، أو سياسية، ما يجعل هذا التمرين السياسي والفكري مكسباً مهماً، مغربياً وعربياً، في أجواء التقاطب الحاد بين الإسلاميين والعلمانيين.
الأول، ضعف استقلالية المجتمع المدني عن الدولة والأحزاب السياسية، ذلك أن جلّ الجمعيات المدنية والروابط المهنية والأندية الرياضية والمنظمات الحقوقية لا تتمتع بالاستقلالية الكافية إزاء الفاعل السياسي، أكانت السلطة الحاكمة أم الأحزاب، ما يخلّ بأحد ثوابت المجتمع المدني وأساساته، وهو الاستقلالية.
الثاني، مشكلة التمويل الداخلي والخارجي. تعيش مكونات المجتمع المدني المغربي حالة التبعية للجهات المانحة، ما يؤثر في جدول عملها وفي استقلاليتها وفي السمة التطوعية لعملها، إضافة إلى مس طابعها النقدي تجاه السلطة، وتجاه القوى الكبرى في الخارج الذي يموّل المجتمع المدني، ولا يفعل ذلك لوجه الله، بل يفعل ذلك لأهداف سياسية، أو أيديولوجية، أو دبلوماسية.
الثالث، إشكالية التدبير الديمقراطي للحياة الداخلية لمؤسسات المجتمع المدني، حيث تدار جل الجمعيات بعقلية استبدادية، من رؤساء الجمعيات والحلقات الضيقة المحيطة بهم، بحيث لا تحترم مواعيد مؤتمرات الأجهزة المسيرة للجمعيات واجتماعاتها، ولا التناوب على المسؤولية، ولا قواعد التشاور والتدبير الديمقراطي في اتخاذ القرارات. المجتمع المدني المغربي أصيب بأمراض السلطوية، وعوض أن يقاومها، صار يعيد إنتاجها بطرق أكثر ابتذالاً مما تفعل السلطة أحياناً.     
تعمّدت أن أعرض بنوع من الإسهاب أعطاب المجتمع المدني، قناعةً مني بأن لهذا المجتمع دوراً كبيراً يلعبه في مرحلة الانتقال الديمقراطي الصعبة في المغرب والعالم العربي، بتذويب الانتماءات الطبيعية للفرد (العائلة، القبيلة، الدين، العرق) في إطارات مدنية وتعاقدية جديدة، في ظل الدولة الحديثة. هذا معناه أن المجتمع المدني يحوّل الصراعات في المجتمع من عمودية، على أسس الانتماء الديني والعرقي واللغوي والمذهبي، إلى صراعات أفقية على أساس المصالح والرؤى والأفكار والاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
عندما ندخل نادياً رياضياً، أو منظمة حقوقية، أو جمعية لمحو الأمية، أو رابطة للدفاع عن مرضى القصور الكلوي، فهذا معناه أننا، أولاً مواطنون أحرار. ثانياً أننا نترك انتماءاتنا القبلية والدينية والقومية والأسرية خارج الجمعية أو المنظمة أو الرابطة. وثالثاً أننا قادرون على إنشاء تعاقدات اختيارية، بعيداً حتى عن الدولة. ورابعاً أننا نتعلم كيف ندافع عن حقوقنا، وكيف نتفاوض بيننا وبين الآخرين، وكيف نقدم تنازلات مشتركة، وكيف نخوض معارك فكرية وسياسية، من دون سلاح ولا تكفير ولا تخوين ولا قتل ولا إقصاء. من هنا، تولد الديمقراطية في المجتمع، قبل أن تولد في الدولة.
“العربي الجديد”

loading...