الرئيسية / وجهات نظر / تجديد القيادة في العراق
88e5e30e060e77be061924f32acf5544

تجديد القيادة في العراق

تنشغل الساحة السياسية في العراق هذه الأيام بالحديث عن نتائج الانتخابات البرلمانية وما يترتب عليها من حديث حول من سيكون رئيس الوزراء القادم؟، وكأن محنة العراق وشعبه ستنتهي فقط بتغيير أو بقاء رئيس الوزراء الحالي السيد نوري المالكي، لكن الحقيقة هي شيء آخر، فما عاناه العراقيون طوال تاريخهم الحديث، ولاسيما في عهد البعث الاستبدادي، وعهد ما بعد 9/4/2003 الفوضوي من خلل وفشل مؤسساتي، وسوء في علاقاتهم الإقليمية والدولية، وعدم العدالة في توزيع الدخل والثروة، ومشاكل اجتماعية ونفسية واقتصادية عارمة، وأزمات ثقافية ارتدت سلبا على هويتهم الوطنية الجامعة وهوياتهم الفرعية المميزة، وفساد مالي وإداري منقطع النظير.. لن تعالج بتبديل شخص ما بغيره أو حزب ما بحزب آخر، بل تعالج من خلال تجديد القيادة في العراق بشكل جذري على مستوى الفكر والسلوك.
قد يتصور الكثير من العراقيين أن القيادة تعني شخص القائد، ويخدعهم هذا التصور فيعتقدون أنهم بعد سقوط نظام البعث غيروا قيادتهم، وأن ما يواجهونه من أزمات ومشاكل تبدو مستعصية على الحل مرتبطة بشخص نوري المالكي.. لكن هذا التصور غير صحيح، فحتى لو تغير المالكي لن تحل مشاكل العراق، فالعراق يتغير فيه كل شيء (الحكام، والأحزاب، والأيدلوجيات، وخنادق الأصدقاء والأعداء، وأشكال التحالفات الوطنية والإقليمية والدولية..) دون أن تتغير فيه القيادة، فالقيادة كعقلية حكم، ونمط سلوك، ومنظومة قيم باقية كما هي تفرض نفسها على العراقيين حكاما ومحكومين، لذلك يجد المتتبع لتاريخ العراق منذ بداية العهد الجمهوري إلى هذا اليوم، أن هذا البلد هو بلد أزمات ومشاكل لا تنتهي، على الرغم من تغير الحكام فيه، وان شعبه يعيش حالة قلق دائم، وانتقال مستمر من محتل إلى محتل، ومن انقلاب إلى انقلاب، وتتلاعب بمقدراته وإرادته الأحزاب السياسية على اختلاف مسمياتها العلمانية والدينية بشكل مثير للشفقة.
 وتواجه أجهزته الأمنية والعسكرية حالة حرب دائمة، فمرة تضع فوهات بنادقها باتجاه الشرق، ثم لا تلبث أن تحولها إلى اتجاه الغرب، ومرة تحركها نحو الجنوب، وأخرى تحركها نحو الشمال، وعندما لا يكون لديها عدو خارجي واضح المعالم تنشغل بالاحتراب الداخلي مع مكونات اجتماعية معينة (أكراد، شيعة، سنة.. حسب هوية القابض على السلطة) أو مع قوى شيطانية غامضة لا يعرف محركها والمستفيد من وجودها، وقد خسر العراقيون بسبب هذه الفوضى المستمرة ملايين البشر، وآلاف المليارات من الدولارات، واقتطعت أجزاء من أرضه مرة بعد أخرى لمصلحة هذا أو ذاك من جيرانه، ولم يكن لسياسته الخارجية ثوابت تساعدها على اقامة تحالفات إقليمية ودولية طويلة الأمد تحمي مصالحه.
وبناء على هذه الصورة لا جدوى من انشغال السياسيين العراقيين بالحديث عن شكل الحكومة القادمة وشخص رئيسها طالما بقيت القيادة على حالها، فالعراق كدولة يقف على مفترق طرق خطير جدا، وعلى زعاماته السياسية اختيار الطريق المناسب لإنقاذه والحفاظ عليه، لاسيما وأن الظروف الإقليمية والدولية لم تعد تحتمل بقاءه في حلقته المفرغة من الأزمات والمشاكل التي لا تنتهي، بل إن شعب العراق ونتيجة للانفتاح التكنولوجي والاجتماعي على العالم ومعرفة أنماط حياة الشعوب الأخرى لم يعد يحتمل البقاء طويلا في هذه الحلقة، وسيبحث عاجلا أم آجلا عن بديل وربما يكون بديلا مؤلما، لذا فان أسلم السبل وأنجعها لصناع القرار والمسؤولين في العراق هو أن يحرصوا على تجديد قيادة بلدهم في الداخل والخارج.
وتجديد القيادة داخليا بحاجة إلى نمط خاص من القادة السياسيين الذين يتقنون فن تصفير الأزمات والمشاكل مهما كانت صعوبة الظروف، وينفتحون على الآخر مهما كانت درجة العداء له، ويمتلكون مهارات رجال الدولة الأكفاء في نبذ مشاعر الكراهية والنفور والعنف المجتمعي، لخلق الأرضية المناسبة لاستنبات قيم التسامح والمحبة والمساواة والعيش المشترك، كما يظهرون قدرة متميزة على منح شعبهم رؤية عظيمة تشعره بأنه شعب عظيم يستحق مجد تاريخه، فيحفزونه للالتفاف حول هويته الوطنية الموحدة التي تتضاءل أمامها كل الهويات الفرعية.
كما يحتاج تجديد القيادة إلى تفعيل مؤسسات الدولة والعاملين فيها لتعمل بكفاءة في خدمة الناس، وحماية حقوقهم وحرياتهم، وضمان العدل والمساواة بينهم وهذا لا يكون إلا بوجود منظومة تشريعية متكاملة وفاعلة، تحارب الفساد المالي والإداري وتضرب المتسببين فيه مهما على منصبهم ومقامهم، وتوجد نظام للضمان الاجتماعي يحفظ كرامة العراقيين ويعيد لهم اعتزازهم ببلدهم، وتكفل توزيع عادل للدخل والثروة إذ لا يكفي أن ينص الدستور على أن النفط والغاز ملك للشعب العراقي في الوقت الذي يعيش فيه أكثر من ثلث الشعب تحت مستوى الفقر..
أما على المستوى الخارجي، فان تجديد القيادة يتطلب إعادة النظر في السياسة الخارجية العراقية لتكون لها ثوابت تحكم تحركاتها، ونقصد بالثوابت القواعد والمبادئ التي تبنى على أساسها خريطة الأصدقاء والأعداء، وشكل التحالفات، وبالتالي منظومة المصالح، فمثلا إذا كانت العملية السياسية في العراق بعد 9/4/ 2003 تهدف إلى تعزيز الديمقراطية ونبذ العنف والتطرف وبناء دولة مدنية يتعايش على أرضها الجميع، عندها لا يجوز للسياسة الخارجية العراقية أن تتخذ موقف المتفرج غير المنحاز اتجاه قضايا المنطقة والعالم، بل عليها مناصرة ودعم جميع التحركات الدولية والإقليمية الرسمية والشعبية المناهضة للعنف والتطرف سواء صدرت من دول أو أفراد.
 كما يتطلب من هذه السياسة إظهار رغبتها الواضحة في تغيير الأنظمة المستبدة الفاسدة بصرف النظر عن انحداراتها القومية والدينية، وأن تضغط من خلال المؤسسات الإقليمية والدولية لتغيير مفاهيم الأنظمة والشعوب المتعلقة بالحكم، والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وحقوق المحكومين وحرياتهم، ومسؤولية الحكام وغيرها من المواقف التي تظهر انسجام السياسة الخارجية مع مشروعها السياسي الداخلي.
 وهذا ما لا نراه اليوم في السياسة الخارجية للعراق، بحيث هناك فجوة واسعة بين المعلن من مبادئ الدولة التي تتضمنها شعارات العملية السياسية الحاضرة وبين تحركاتها الخارجية، مما خلق نقصا وعجزا مثير للسخرية في فاعلية العراق داخل محيطه الإقليمي والدولي، وجعله ساحة رخوة للتدخلات الخارجية، ولعل ابرز الأمثلة على ذلك عدم نجاح السياسة الخارجية العراقية في استثمار قوة العراق الاقتصادية للحصول على امتيازات مؤثرة للعراقيين في الدول التي لها مصالح مشتركة معه، فضلا عن الفشل في التأثير الفاعل على مواقفها لمصلحة بناء الدولة فيه، والضغط عليها لإشراكها في نظام امني يساعد على محاربة الإرهاب وغير ذلك، لكن ما تعانيه السياسة الخارجية للعراق يمكن فهمه على انه مرتبط ارتباطا وثيقا بواقع البيت الداخلي للعراق، وما يشله من أزمات ومشاكل وعقلية مأزومة في الحكم لم تنجح في تغيير نمط القيادة التقليدية السائدة في هذا البلد.
إن تجديد القيادة داخليا وخارجيا سوف يقود إلى بث روح جديدة في النخبة السياسية تسري من خلالهم إلى شعبهم، فتساعد على تدفق مشاعر الحيوية والأمل لدى أفراده وجماعاته ليتطلعوا إلى بناء مستقبل أفضل، يشعرون فيه بأنهم شركاء تجربة فريدة في الحكم والإدارة والحياة، وعملية التجديد هذه هي السبيل الوحيدة لإنقاذ البلد، وهي تتطلب استعداد نخبوي للقيام بها، وإخلاص وتفاني في العمل من أجلها، وتتطلب حكومة تشعر بالمسؤولية اتجاه شعبها، وشعب تستنهض هممه ليكون فاعلا في بناء دولته، كما تتطلب العمل المخلص والنزيه لخدمة المصلحة العامة للدولة لا مصلحة العرق والدين والطائفة والفئة والحزب والفرد.