الرئيسية / وجهات نظر / اقتصاد تونس بعيداً من الأوهام
سمير صبح

اقتصاد تونس بعيداً من الأوهام

تواجه تونس ضغوطاً من المقرضين لتسريع وتيرة الإصلاحات الاقتصادية إثر الهجومين اللذين استهدفا قطاع السياحة، واضطرار الحكومة إلى الاقتراض من الأسواق المالية العالمية لسد الاحتياجات الضرورية التي لا يمكن تأجيلها، كتسديد أجور موظفي القطاع العام، ومحاولة خفض العجز في الموازنة والحد من الخسائر المتراكمة في غالبية القطاعات، ما جعل رئيس الحكومة الحبيب الصيد يحذّر للمرة الأولى من انهيار الاقتصاد، مطالباً الدول الغنية والمانحة بتمويل برنامج إنقاذي قبل فوات الأوان.
ولم يعد المسؤولون التونسيون، وفي طليعتهم الرئيس الباجي قائد السبسي، يخفون إحباطهم من تهرب المجتمع الدولي من الوفاء بتعهداته دعم اقتصاد تونس الذي يتراجع تدريجاً. ولا يرى رئيس الوزراء ووزير المال سليم شاكر أي حل آني وسريع سوى تخصيص الدول الصناعية الكبرى مبلغ 25 بليون دولار على مدى خمس سنوات. ويعتبر عدد من الاقتصاديين التونسيين المطلب نوعاً من التمني، يستمر منذ 2011 وإثر القمة التي عقدها قادة الدول الصناعية الكبرى وتعهدوا فيها بضخ نحو 10 بلايين دولار لدعم تونس واقتصادها خلال مسيرة التحول الديموقراطي. لكن هذا البلد لم يحصل على أي دعم أو مساعدة باستثناء الضمانة التي قدمتها الولايات المتحدة التي مكنت الحكومة التونسية من استدانة بليوني دولار من أسواق المال العالمية بفوائد عادية غير تفضيلية.

اقرأ المزيد: الولايات المتحدة مستعدة لدعم تونس اقتصاديا

وفي لقاءاته مع مسؤولي البلدان العربية التي زارها، لم يخفِ الرئيس التونسي الأخطار التي قد يواجهها اقتصاد بلاده وماليتها العامة في القريب العاجل. وهو حدد الحاجة المطلوبة بسرعة إلى نحو 45 بليون دينار تونسي (22 بليون دولار) منبهاً إلى ان تونس قد تتوقف عن تسديد مستحقات في حال لم تحصل على الدعم المطلوب. هذا وثمة ضغوط ناتجة من عدم القدرة على تأمين الاستقرار الأمني وضبط الحدود مع الجارتين الجزائر وليبيا اللتين كانتا على مدى عقود طويلة تشكلان صمام الأمان الاقتصادي والمالي لتونس.
الواضح ان عودة الاستقرار والسلم الأهلي وتحسين الوضع الاجتماعي وتفادي التعثر المالي باتت كلها رهناً بضغوط المقرضين وعدم وفاء الدول المانحة بتعهداتها وإحجام دول صديقة عن مد يد العون الجدي والسريع، بما في ذلك الشركاء الأوروبيون الأساسيون الذين وقعوا مع تونس أخيراً اتفاق منطقة التبادل التجاري الحر. وما يزيد الإحباط ان حصول الرباعي التونسي على جائزة نوبل للسلام لإدارته حواراً وطنياً، لم يكن له أي انعكاس إيجابي على الوضع الاقتصادي والاجتماعي لجهة تعزيز الدعم الخارجي. للإنصاف يجب القول ان تونس قامت ببعض الخطوات ولو المتحفظة على طريق الإصلاح، خصوصاً مع تشكيل الحكومة الأخيرة برئاسة الصيد التي ضخت 440 مليون دولار لإعادة رسملة مصرفين عموميين ضمن خطة لإنقاذهما. لكن هذا المبلغ لم يكن كافياً لتصحيح وضع القطاع الحيوي ككل. وفي الاتجاه نفسه تعهدت الحكومة بأن كثيراً من الإصلاحات الجبائية سترى النور في 2016 وبأنها لن ترفع الأجور مجدداً في القطاع العام خلال السنتين المقبلتين، الأمر الذي يُرجَّح ان تتصدى له النقابات التي تملك نفوذاً شعبياً واسعاً سيؤدي حتماً بالحكومة إلى التراجع عن هذا التعهد.
ويرى عدد من خبراء مصارف الأعمال الأوروبية التي تتعامل مع تونس منذ سنوات طويلة، بأن المخرج السريع لا يمكن ان يكون في زيادة الاستدانة حتى لو فُتِحت لها أبواب الأسواق العالمية بضمانات أميركية أو أوروبية، ولا عبر المساعدات الموسمية والمحدودة التي تقدمها كل من فرنسا والولايات المتحدة والجزائر، فكل هذا الدعم يذهب الآن إلى تجهيز القوى الأمنية لمواجهة التشكيلات الإرهابية التي لا تزال تملك القدرة وفق تقارير رسمية على تهديد استقرار البلاد، والدليل، ما يحدث في شكل شبه يومي على الحدود الجزائرية وكذلك الليبية، خصوصاً مع دخول «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش) على الخط في الأشهر الأخيرة، علماً أن هذا التنظيم أصبح اليوم على مشارف مدينة صبراتة الليبية التي تبعد 70 كيلومتراً على الحدود التونسية.
في هذه الأثناء، يتفاقم ما يسمى «الفساد الصغير» الذي حل محل ما كان يسمى «الفساد الكبير» ونخر نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي. وتعتبر منظمات محلية ودولية ان الإرادة السياسية لدى السلطة أو الأحزاب بكل اتجاهاتها ليست قوية كفاية لمكافحة هذه الآفة التي ترهق اقتصاد البلاد وتهز مكوناته الأساسية. وثمة مخاوف من مشروع قانون يقضي بعقد «مصالحة» مع رجال أعمال شرط إرجاعهم أموالاً عامة منهوبة. وأحالت الحكومة هذا المشروع على البرلمان الذي لم يحدد موعداً لمناقشته.

*كاتب صحفي/”الحياة”