الرئيسية / المسيرة-الخضراء / مكاشفة محمد السادس في خطاب المسيرة
ALAWI

مكاشفة محمد السادس في خطاب المسيرة

أقفلت ذكرى المسيرة الخضراء عامها الأربعين، فبواسطتها استرجع المغرب صحراءه سلميا ودون طلقة واحدة اندحر معها المحتل الأسباني عن تلك الأرض التي ما فتئ يطالب بها منذ استقلاله عام 1956. مسيرة كانت خصوصيتها في سلميتها وإيمان منظمها، ومن ساروا في ركابه، بعدالة قضيتهم، وليضعوا لبنة أخرى في جسم مغرب متحرك نحو البناء ويأبى الخضوع والخنوع لأي احتلال أو دعوة انفصال.
توالت السنوات على المسيرة الخضراء لكن هذا العام كانت للذكرى نكهتها الخاصة وامتيازها في الزمن السياسي المغربي والإقليمي. فلأول مرة يلقي الملك محمد السادس خطابا بالمناسبة من قلب مدينة العيون عاصمة الأقاليم الجنوبية.
عشر سنوات تمر على الزيارة الأولى التي قام بها محمد السادس عرفت خلالها قضية الصحراء العديد من المتغيرات. وما الاستقبال الشعبي الذي خصه أهل العيون والأقاليم المجاورة للعاهل المغربي إلا دليل على أن فرضية انفصال تلك الأقاليم عن الوطن الأم معدومة ولا توجد إلا في أذهان من يراهن على السراب. تلك المسيرة الخضراء التي خطط لها وسيرها الملك الراحل الحسن الثاني، ليدحر بها استعمارا أسبانيا كتم على أنفاس أبناء المناطق الجنوبية، لاتزال مستمرة في عهد الملك محمد السادس أكثر نضجا ووضوحا في الرؤية وإصرارا على النجاح سياسيا واجتماعيا وتنمويا.
فكما جرت العادة في خطب العاهل المغربي التي اتسمت بالقوة والشمول، كان الخطاب الأربعون للمسيرة الخضراء واضحا في قوله فاصلا في مرماه، وهذا شيء له ما يبرره. فتفاقم وضعية الصحراويين المحتجزين بمخيمات تندوف جنوب الجزائر فاق الحدود الإنسانية وانتهك جميع الحقوق. وضعية جعلت الملك محمد السادس يوجه كلاما مباشرا لساكنة تندوف أولا، لأنها “ما تزال تقاسي من الفقر واليأس والحرمان، وتعاني من الخرق المنهجي لحقوقها الأساسية”، وهذه حقيقة وقف عليها العالم كله، هذا العالم الذي خدعته الآلة الإعلامية الانفصالية فقدم المساعدات الإنسانية تلو الأخرى لكن لاتزال ظروف المحتجزين بتندوف لا إنسانية بالمرة.

اقرأ المزيد: محمد السادس لساكنة تندوف: لا أرضى لكم الأوضاع اللاإنسانية التي تعيشونها

السؤال الذي طرحه العاهل المغربي في هذا الخصوص، هو أين ذهبت مئات الملايين التي تتجاوز 60 مليون أورو سنويا، دون احتساب المليارات المخصصة للتسلح ولدعم الآلة الدعائية والقمعية للانفصاليين؟
سؤال يضع كلا من الجزائر وقادة بوليساريو أمام امتحان التاريخ والمنطق والأخلاق. فمن له الجرأة على سرقة قيمة المساعدات الإنسانية وتحويلها لحسابات بنكية خاصة، لا يمكن أن يكون وفيا لقيم الإنسانية ويأبه بالقوانين والمؤسسات الدولية. وهذا ما أكده المكتب الأوروبي لمحاربة الغش، في تقرير صدر سنة 2007 وتم نشره نهاية يناير من هذه السنة، وكشف تحويلات مكثفة منذ عدة سنوات للمساعدات الإنسانية الدولية المخصصة لسكان تندوف.
خطاب الملك محمد السادس كان كاشفا وقويا ولافتا. ظهر هذا جليا مع عزمه على تنفيذ المشاريع التنموية الكبرى والشاملة بالأقاليم الجنوبية كجزء أساسي من استكمال الوحدة الترابية للمملكة، ولا يمكن أن يتم هذا المشروع دون القطع مع اقتصاد الريع واستنهاض الهمم والجهود لتحقيق هذا المسعى. وكل من يريد عرقلة هذه الجهود لا مجال له في هذه المحطة التي وصفها العاهل المغربي بأنها وصلت “مرحلة النضج”.
ذهب العاهل المغربي بعيدا عندما وضع الكل أمام مسؤولياته، فأبناء المنطقة لهم تاريخ طويل من العمل في ميدان التجارة والعلم، وهذه حقيقة لا يجادل فيها إلا من يريد التحجج بالكسل وانتظار المعونة والاعتماد على مدخول ريعي لم يبذل فيه جهدا ولا طاقة. وبالتالي فهم أَولى بتنمية بلادهم وتدبير مواردها وتطوير مصادر دخلها وثروتها.
أما الذين يحاولون عرقلة المسيرة التنموية والاتجار في استقرار البلاد بانسياقهم وراء إملاءات أعداء الوطن، فهؤلاء يقول الملك “لا مكان لهم بيننا”، لكنه ترك الباب مواربا لمن تاب ورجع إلى الصواب. ضربات قوية لزعماء الانفصال، تلك التي تخللت الخطاب الملكي من عاصمة الصحراء، فعندما يتساءل الملك عن الغنى الفاحش لهؤلاء فهو ينطلق من معطيات دقيقة وأرقام لا مجال فيها للاختباء وراء حيل مبتذلة لم تعد تجدي نفعا. فزعماء بوليساريو حولوا أموال المساعدات إلى بناء العقارات في أوروبا وأميركا اللاتينية.
المكاشفة تطلبت من العاهل المغربي وضع العالم أمام سؤال موجه للجزائر بصفة خاصة حول، لماذا لم تقم بأي شيء من أجل تحسين أوضاع سكان تندوف الذين لا يتجاوز عددهم 40 ألفا على أقصى تقدير، أي حي متوسط بالجزائر العاصمة؟ سؤال محمد السادس هنا يضع حدا لبروباغاندا الانفصاليين التي تضخم في عدد السكان المحتجزين بتندوف لتسول المساعدات الأجنبية. مساعدات كانت نتيجة لاستغلال مأساة مجموعة من نساء وأطفال الصحراء وتحويلهم إلى غنيمة حرب، ورصيد للاتجار اللامشروع ووسيلة للصراع الدبلوماسي. كما أوضح الملك في خطاب المسيرة الذي صارح فيه سكان مخيمات تندوف أنه لا يرضى بتلك الوضعية التي يعيشونها في الوقت الذي يعرف فيه المغرب، بجميع أقاليمه، نهضة تنموية غير مسبوقة، وهو يدعوهم إلى الالتحاق بأرضهم الأم والقطع مع أزلام العسكر الجزائري.

*كاتب مغربي/”العرب”