الرئيسية / وجهات نظر / “حلم التغيير العربي” بين ثلاث انتخابات رئاسيّة
1ec2a12723aafca982d5b879ea870cbd

“حلم التغيير العربي” بين ثلاث انتخابات رئاسيّة

قامت الثورات في البلاد العربية تحت شعار أساسي: “الشعب يريد”، لتقرر فلسفةً مختلفةً، وأسلوباً جديداً في الحكم، يكون بموجبهما الشعب صاحب السيادة والقرار، وهو مَن يمنح الشرعية والمشروعية. وكانت صور الميادين التي تموج بالبشر تعبيراً أساسياً عن ميلاد هذه الإرادة الشعبية ضد دولة الاستبداد، وتمسكاً من الشعوب بحقها في تقرير مصيرها، بالمعنى السياسي. جاءت هذه المشاهد من بلادٍ مختلفةٍ، بدءاً من تونس، وانتهاء بسورية. ومن لم يَثُر ظلّ متابعاً ومترقّباً نتائج هذه الثورات الشعبية، عسى أن يفعلها يوماً هو الآخر. بعد ثلاث سنوات، استبدلت مشاهد الأمل بالإحباط، ويكفي أن نتفحّص ثلاثة مشاهد رئيسية، لندرك كمّ اليأس الذي يتملّك الحالمين بالتغيير في عالمنا العربي.
ثلاثة مشاهد
هذه المشاهد الثلاثة هي الانتخابات الرئاسية في مصر والجزائر وسورية. وتختلف الظروف والأحداث والملابسات في كل مشهد. ففي الحالة الأولى، استطاع النظام القديم في مصر استيعاب صدمة الثورة، وأعاد تنظيم صفوفه، لينقضّ عليها في 3 يوليو/ تموز 2013، بغطاء شعبي تمت تعبئته بحرفية شديدة. الحالة الثانية هي الجزائر، وهي إحدى الدول التي لم تصل إليها رياح الربيع العربي بعد. أما الحالة الثالثة، وهي سورية، فتعصف بها رياح التغيير والحرب الأهلية، من دون أن يستقر الأمر بعد لطرف دون الآخر. وتكشف النظرة المتأملة لكل حالة عن معانٍ مشتركة كثيرة. ففي ظاهر كل مشهد، يعلو الحديث عن الإرادة الشعبية، ولكن، ينطوي باطن كل منها على كسر هذه الإرادة، وتعجيزها.
المشهد الأول: 27 فبراير/ شباط 2014: يصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر بياناً، بموجبه يعطي الحق للمشير عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع آنذاك، أن يترشح للرئاسة، استجابة “للإرادة الشعبية”. وهو مشهد في باطنه يؤسس للوصاية العسكرية على هذه الإرادة، فمَن يمنح حق تلبية مطلب الإرادة الشعبية يستطيع، من الناحية النظرية، الامتناع عنه أيضاً. وبهذا أسدل الستار على شهور من التمهيدات والتكهنات حول ترشح “المنقذ” للمنصب. والمتابع مسرحية الانتخابات الرئاسية التي تدور حالياً في مصر، والمتوقع أن يُنَصَّبَ فيها، نهاية الشهر الجاري قائد الانقلاب رئيساً للجمهورية، يدرك طبيعة النظام السياسي المقبلة عليه مصر. وبنظرة مقارنة سريعة بين انتخابات 2012 والانتخابات المقرر إجراؤها نهاية مايو/ أيار الجاري، تتّضح الردّة الكبيرة التي أصابت التطور السياسي في صر.
في انتخابات 2012، تنافس المرشحون على التواصل مع القطاعات المختلفة من المجتمع، من خلال ندوات ومؤتمرات ولقاءات جماهيرية، في محاولة للتعريف ببرامجهم، وكسب التأييد لها، والأهم من ذلك أننا، إلى آخر لحظة، لم نكن نعرف النتيجة. في انتخابات 2014، نجدنا أمام مرشح محصّن، لا يلتقي بالجماهير ويقتصر على مقابلة النُّخَب، وإذا تواصل مع الأولى يكون من خلال شاشات الكمبيوتر. وهو مرشح بلا برنامج وبلا وعود، ومع ذلك، لا يرى بعضهم غضاضة في تسويقه “مرشح الضرورة “، ويراه آخرون منقذاً. نعرف جميعاً في انتخابات 2014 النتيجة مسبقة، إلى درجة أننا كلنا، على اختلاف توجهاتنا ومواقفنا، نفكر في ما بعد الانتخابات. فكيف حدث أن تحوّل العسكر، الذي هتفنا بسقوطه في الماضي القريب، إلى المنقذ الذي نفرش له، الآن، الأرض بالورود، حتى يتقدم للرئاسة؟
المشهد الثاني: 17 إبريل/ نيسان 2014: وطن عانى من ويلات الحرب الأهلية وعشرية الاقتتال، نتيجة انقلاب العسكر على الإرادة الشعبية، بمباركة النخب العلمانية، يجد نفسه مُنتخِباً للمرة الرابعة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، حتى وهو على كرسي متحرك، ويظهر للقاصي والداني عدم قدرته الصحية على الحكم. ولافتة في هذه المسألة تبريرات سيقت لهذا المنظر المحبط في بلادٍ نسبة الشباب فيها أكثر من 60%. فمن بين التبريرات والتعليقات التي ترددت أن ذلك أفضل من الحرب الأهلية، في ربط واضح بين الاختيار الشعبي الحر والتعددية من جانب، والاقتتال السياسي والاجتماعي من جانب آخر. وكأن المشكلة أن الجزائريين اختاروا، وليس أن العسكر انقلبوا على اختياراتهم. وبهذا تستمر سيطرة مؤسسة الجيش والاستخبارات والأجهزة الأمنية على القرار السياسي. حتى الانتخابات في هذه الحالة، تصبح نوعاً من المظاهر السياسية التي تستكمل تزيين الوجه القبيح الحقيقي للنظام.  فكما قال الباحث الجزائري، صابر أيوب، فإن نتيجة الانتخابات محسومة مسبقاً لصالح الرئيس بوتفليقة، وأن “صناعة الرؤساء في الجزائر لعبة محبوكة مسبقاً، وأن الانتخابات تعبّر عن رغبة السلطات الحقيقية الحاكمة في البلاد، لا عن رغبة الشعب”.
المشهد الثالث: 21 إبريل/ نيسان 2014، عندما أعلنت حكومة بشار الأسد عن إجراء “أول انتخابات رئاسية تعددية” في شهر يونيو/ حزيران 2014. فها هي دولة تعاني من حرب أهلية، نتجت عن مقاومة نظام شمولي طائفي، للرغبة في التغيير، واستخدم كل أنواع الأسلحة ضد مَن ثاروا عليه، تستكمل سلسلة مسلسلات الانتخابات في العالم العربي. ومن المعروف أن الحرب في سورية أسفرت، إلى الآن، عن تشريد نحو نصف سكان سورية من أماكن سكنهم بين نازح ولاجئ. وكانت حصيلة الدماء فيها ما يزيد عن 200 ألف سوري، فضلاً عن ألوف آخرين مشوهين ومعوقين. دولة دُمّرت فيها مدن وقرى وبلدات وأحياء عن آخرها، ليقف في النهاية بشار الأسد وسط الدمار، ويعلن الانتصار المزعوم للإرادة الشعبية. حتى إطلاق لفظ انتخابات تعددية عليها فيه قدر كبير من المغالطة، لأن القانون المنظّم لعملية الترشح والانتخاب يغلق الباب عملياً أمام أيّ من معارضي النظام، في ظل الشرط الخاص بضرورة أن يكون المرشح قد أقام في سورية بشكل متواصل في الأعوام العشرة الماضية. كما أن الواقع على الأرض، حتى الآن، وحيث تفصلنا أسابيع قليلة عن إجراء الانتخابات، يشير إلى أن الانتخابات لن تجري إلا على جزء محدود من الأراضي السورية. فنظام الأسد لا يسيطر عملياً إلا على أقل من نصف المناطق والبلدات، بينما تسيطر قوات حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي على مناطق واسعة في الشمال الشرقي من سورية التي تخضع عملياً لإدارة ذاتية. من جهة أخرى، يسيطر تنظيم دولة العراق والشام (داعش) على مدينة الرقة ومناطق في الشرق والشمال، وهناك مناطق كثيرة في الجنوب والشمال والوسط، تسيطر عليها فصائل إسلامية أخرى. هذا بالإضافة إلى المناطق التي يوجد فيها الجيش السوري الحر.
حالات متشابهة
تشابهت مشاهد الانتخابات الثلاثة، في جزء منها، في العزف على وتر إثارة الخوف والفزع لدى الناس. ففي حالة الجزائر، كان شبح الحرب الأهلية الذي لا يزال في الأذهان، وفي مصر وسورية رُفع شعار الحرب على الإرهاب ومواجهته، إلا أن الهدف الحقيقي إثارة الرعب من محاولة التغيير، أو بمعنى آخر، مساواة التغيير بالفوضى والحرب والدمار والاقتتال الداخلي. وهي رسالة لا تتردد في هذه الدول فقط، لكنها الرسالة التي يتلقاها المواطن العربي من المحيط إلى الخليج: انظروا ماذا فعلت الديموقراطية من دمار وخراب واقتتال، ووصول أناس غير مؤهلين إلى السلطة؟ وبهذا، يتم التأكيد على الربط بين استمرار النظام القائم (القديم) واستمرار الدولة ذاتها. وبدلاً من تأسيس سيطرة المدنيين على العسكريين، تستمر بلادنا العربية في انتهاج سنّتها الخاصة بتبعية المدني للعسكري، ويوصم أي رأي مخالف لذلك بالخيانة والعمالة، ومحاولة تفكيك الدولة.
التشابه الثاني بين الحالات الثلاث أنها دليل قوي على عبقرية شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”. فقد كانت الجماهير الغاضبة على علم، بفطرتها، بأن القضية الأساسية ليست شخصاً، ولكن مجموعة المؤسسات الأمنية وتحالفات المصالح المحيطة بها. هذه المؤسسات والتحالفات هي الحاكمة الحقيقية، والمتحكمة في مقررات الأمور. قد تدفع هذه التحالفات بوجه مدني، أو عسكري، إلى الواجهة، لكنها، في النهاية، تتحكم في مقررات الأمور. ولذلك، لا يهم أن يكون رأس النظام على كرسي متحرك، أو بكامل قوته، المهم أنه يلبي مصالح الطبقة الحاكمة، والتي ترى أن قيادة الدولة حق طبيعي لها. ومن هنا، فإن صعود بشار إلى سدة الحكم، في أول عملية توريث في النُظُم الجمهورية في المنطقة، لا يختلف كثيراً، في مضمونه، عن أداء عبد العزيز بوتفليقة القَسَم على كرسي متحرك، أو ترشح عبد الفتاح السيسي بعد تفويض المجلس العسكري. ففي الحالات الثلاث، القرار تم اتخاذه بصورة جماعية من الزمرة الحاكمة، ولم يكن قراراً منفرداً بأي حال.
التشابه الثالث، أن في كل حالة من هذه الحالات تم تفريغ الانتخابات من محتواها، بحيث أصبحت أشبه بالاستفتاءات التي تُستدعى إليها الجماهير، لإظهار المساندة والتأييد، في إطار احتفالي أشبه بالكرنفالات الشعبية، على نحو ما شهدنا في مصر، على سبيل المثال، في أثناء الاستفتاء على دستور 2013، ويجري حالياً الإعداد له في سورية.  وجّهت المشاهد الثلاثة ضربة قوية للقيم والطموحات التي أتت بها الثورات، وفي مقدمتها حق الاختيار الحر للشعوب العربية. فكل منها يمثل خطوة للوراء في ما يتعلق بالتأسيس المفاهيمي للإرادة الشعبية، ورصدهم معاً يرسم صورة اغتيال للحلم العربي في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية.
وكأن إخراج مشهد الجريمة المتكاملة هذه يقول للمواطن العربي: كل الطرق تؤدي إلى الدولة القديمة، فلا تحاول، فهي وجدت لتبقى. فيا ترى، هل يستسلم الحلم العربي أمام مخالب الدولة القديمة، أم سينجح يوماً في ترويضها؟  
“العربي الجديد”