الرئيسية / وجهات نظر / “نداء تونس” عن كتلة تاريخية غلبها الزمن
أمين بن مسعود

“نداء تونس” عن كتلة تاريخية غلبها الزمن

لم يكن نداء تونس حزبا سياسيا لا بالمفهوم الكلاسيكي ولا بالمعنى الحديث، حيث يتحوّل الحزب إلى تجمّع سياسي مالي إعلامي يعمل على الفوز بالاستحقاقات الانتخابية على الشاكلة الأميركيّة.
منذ انبثاق نداء تونس، فكرة ورسالة، كان الهدف الأساسي للتنظيم متمثلا في إنقاذ البلاد أوّلا من هواة الحكم في الداخل وتحييدها عن الذئاب الإقليمية في الخارج، وثانيا استرجاع البلاد من صلب دوامة اغتراب جماعي وحضاري وتاريخي واستراتيجي ودبلوماسي.
وعلى عكس كافة التنظيمات السياسية التي تتقدّم فيها المرجعيات الفكرية عن التجمّع البشري، ومن ثمة بلورة الهدف السياسي ثالثا، وتحقيقه رابعا، كان الهدف السياسي أساس تجمّع الكوادر البشرية إلى درجة أنّ “نداء تونس” بقي إلى فترات ما قبل الانتخابات التشريعية والرئاسية يبحث عن مرجعيّة فكرية وسياسيّة تلملم شتات الروافد السياسية المتباينة إلى حدّ التناقض.
هكذا تحوّل نداء تونس إلى وعاء لمختلف المشارب السياسية ونقطة تقاطع لكافّة الحساسيات الفكريّة كان همّها الوحيد إسقاط حركة النهضة وملاحقها الحزبية ولواحقها من روابط حماية الثورة بالاستعانة بشخصية الباجي قائد السبسي الذي كان يحمل شيئا من كاريزما القائد وأشياء من “بورقيبية” هوت إليها أفئدة التونسيين في مسيرة البحث عن الدولة زمن الإرهاب والترهيب.
كانت تونس بين 2012 و2015 في حاجة ماسة إلى كتلة تاريخية (وفق التأسيس المعرفي للمفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري) تجمّد التباينات السياسيّة إلى حين تحقيق الهدف الاستراتيجي التأسيسي، ومن ثمّة العودة إلى المربّع الأوّل للأحزاب والمنظمات، ذلك أنّ إدارة الصراع السياسي والفكري استحقاق أكبر من تكتل وتحالف سياسي عريض ناهيك عن حزب وليد.

للمزيد: «نداء تونس».. أضجيج هذا أم غربلة؟

تأسست الكتلة التاريخية في شكل نداء تونس، وتحققت في الاستحقاقات النيابية والرئاسية غالبيّة المآرب الشخصية والجماعية للحزب ولأصحابه، وفي غمرة النشوة بالانتصار طرح استحقاق المعنى والاستمرار لتجمّع سياسي فكري نقابيّ منظماتي حقّق مبتغى إسقاط الإخوان دون أن تكون له استراتيجية واضحة لمسلكية ترميم الدولة أو إدارة صراع “الروافد” بين أجنحة الحزب بعد أن يرحل “الأب” حقيقة أو رمزا.
فرض استحقاق المعنى ما بعد سقوط الإخوان والوصول إلى سدّة السلطة نفسه على نداء تونس التي فقدت شرعيتها ككتلة تاريخية حقيقية بعد تحالفها مع من كان التناقض معه السبب الأساسيّ لانبثاقها.
وما الانقسام الهيكلي في نداء تونس بين شقّ نجل القائد السبسي، حافظ قائد السبسي، وشقّ محسن مرزوق إلا تجسيد لضبابية واضطراب عن الإجابة على سؤال “ماذا بعد تحقيق الكتلة التاريخية لهدفها الوحيد؟”، وبين فريق يرى في الحزب امتدادا للبورقيبية والدستورية التجمعية، وآخر يقاربه كجبهة تقدميّة حداثيّة تنصهر فيها كافة الرؤى السياسية ضاع النداء وصار “شبه نداءات متنافرة” ترفع في وجه بعضها البعض العصيّ والهراوات. وزادت شبهات التوريث السياسي في زمن الفشل الذريع في استحقاقات النمو الاقتصادي والاجتماعي لمن طرح نفسه “المنقذ” من هوّة البون بين الفرقاء داخل النداء. وكما تعود الأحزاب إلى تقوقعها الأوّل بعد تآلف الكتلة التاريخية، عاد الإخوة الأعداء إلى مربعهم السياسي والأيديولوجي الأوّل محدثين شرخا هو في العمق شرخ الأحزاب ما بعد الكتلة التاريخية، وفي الظاهر انشقاق صلب ذات التنظيم.
ولن تكون بوادر المصالحات إلا هدنة هشّة لن تدوم ما لم تعالج القضية من العمق، وما لم يغيّر النداء من طبيعته التنظيمية من “حزب” إلى مظلة سياسية كبرى تجمع الشتات وتؤطر فعله السياسي وتنجح في التعبئة ضدّ أي خطر داهم.
الرابح الأكبر من هذا الواقع المضطرب في النداء هو حزب حركة النهضة الذي سيتحوّل إلى الكتلة البرلمانية الأولى وقد يخلط الأوراق من جديد مطالبا رئيس الحكومة بتغيير وزاري جذري يعطيه الحصة الأكبر من الحقائب السيادية، وقد يرفع سقف مطالبه إلى حدّ الدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة على الشاكلة التركية ترجع البلاد والعباد إلى مربّع الانسداد والاستعصاء الأوّل.
ولئن عرف نداء تونس أزمة البنية المتجسدة في الانتقال من الكتلة التاريخية إلى الحزب السياسي، فإنّ النهضة قد تعرف معضلة التحوّل من الجماعة المغلقة إلى الحزب المدني الأفقيّ وقد تعرف شواهدها عند انسحاب “المؤسس الراشد” أو عند التكالب على المناصب في المؤتمر القادم… وعندها تتيقن تونس أنّها دولة بلا أحزاب.

*كاتب ومحلل سياسي تونسي/”العربي الجديد”