الرئيسية / وجهات نظر / هل تحقق الأمان لتونس باتفاق «الجنتلمان»؟

هل تحقق الأمان لتونس باتفاق «الجنتلمان»؟

مسلكان فتحا في تونس أمام المنافسين الفعليين وحتى الافتراضيين على السلطة. مسلك الدولة بما فيها من أجهزة ومؤسسات قديمة وبطيئة من جانب، ومسلك الشارع بتناقضاته وتقلباته السريعة والمفاجئة من جانب آخر.
وبين الطريقين اللذين لا يعرف على وجه الدقة إن كانا معبدين وصالحين بالكامل لوصول المنافسين إلى وجهاتهم بسلام، هناك منطق فيزيائي معروف يقول إن الرابحين في النزال الانتخابي هم من يختارون في العادة الطريق الأول في ما ينحاز الخاسرون في الغالب إلى الطريق الثاني، لكن الخلطة التونسية للحكم التي تكاد تكون عملا سحريا لم يكشف حتى الآن عن طلاسمه وألغازه الدفينة لا تترك مجالا ولو محدودا للاحتكام إلى قواعد الفيزياء والمنطق. فهنا كل شيء قابل للتحرك المفاجئ والسريع، بدءا بالضـــمائر والمشاعر وصولا إلى المواقف والقــــرارات، ولا شيء آخر قابل للاستقرار على ثباته وتكلسه المعهود سوى العقول.
وفيما يتحرك المتحمسون للطريق الأول داخل مربع الحكم الواسع وكأنهم يسبحون في فراغ أزلي لا محدود، يناور دعاة الطريق الثاني مسلحين بما اكتسبوه من مهارات خطابية سفسطائية، من أجل نفخ الروح في جسد مخرب ومحبط يوشك على الانهيار بين لحظة وأخرى. والمفارقة أن كلا الجانبين، على حد سواء، لا يشعران ابدا بأنهما يقفان على ارض صلبة، أو أن لهما ظهرا وسندا حقيقيين يحتميان بهما او يلجآن لهما وقت الشدة. فكلاهما يمشي فوق رمال سريعة التقلب والتحرك ويفتقد بوصلة للحاضر وأفقا وموهبة لتخيل المستقبل، والقدرة على التخطيط له واستشرافه. تلك الحالة من التخبط والاضطراب التي يلحظها الناس يوما بعد يوم، سواء في الاداء المذبذب للحكومة، أو في ردات الفعل الصبيانية لمعارضيها لا تجعلهم ينظرون إلى الإنجاز الباهر الذي تحقق بعد «اتفاق الجنتلمان» الذي توصل له الشيخ الغنوشي والرئيس السبسي، في أعقاب لقاء باريس الشهير، وما تمخض عنه قبل وبعد الانتخابات الأخيرة من توافقات وتفاهمات معلنة وسرية، إلا كسراب في صحراء ديمقراطية جرداء لا ماء ولا زرع فيها، والأهم من ذلك لا أمل أو رجاء منها، رغم كل الثناء والاعجاب الخارجي بها وبنجاحاتها، إذا ما وضعت موضع مقارنة فعلية بغيرها من التجارب المريرة والفاشلة للجيران.
ومن المثير حقا انه كلما ازداد اكتئاب التونسيين واتسعت حيرتهم تهاطلت عليهم الوعود والمشاعر النبيلة من كل حدب وصوب، وتسابقت عواصم الشرق والغرب على منحهم اعلى الجوائز وارفعها ممهورة باقوى عبارات الدعم العاطفي واللغوي واشدها بلاغة وإبهارا. أليس غريبا أن يقول وزير الخارجية الامريكي جون كيري الاربعاء الماضي في خطاب بمركز كارنيجي بواشنطن أن جوابه «لكل من يشكك بوجود ديمقراطية في الشرق الاوسط وشمال افريقيا هو كلمة واحدة… تونس»، ثم يخرج وزير المالية التونسي بعدها بوقت قصير ليصرح لوكالة رويترز، على هامش منتدى الاستثمار في الشرق الاوسط، بأن بلاده التي يضرب بها الوزير الامريكي المثل على نجاح الديمقراطية، «ستعيش اوقاتا صعبة، وأن العاصفة قد تتحول إلى اعصار إذا ما احجم المجتمع الدولي عن برنامج اقتصادي كبير لمساعدتها»! قبل أن يضيف في السياق ذاته، أن رسالته إلى المجتمع الدولي هي «رسالة إحباط» لأنه «لم يتم الوفاء بتعهدات بدعم تونس اقتصاديا لإنجاح انتقالها الديمقراطي». إن ذلك التناقض السريالي هو الانعكاس الطبيعي لحالة من الانفصام الحاد، تجعل تونس تبدو للآخرين مثالا واستثناء عربيا ناجحا، بدون أن تجعل من التونسيين انفسهم نماذج ناجحة وقادرة على الوعي بقيمة واهمية انجازهم الاستثنائي والنادرفي محيط اقليمي مدمر ومنكوب. ولكن اللافت ايضا أن لذلك الانفصام وجها اخر هو ذلك التقلب الملحوظ في المواقع، بين من سلكوا طريق الدولة ومن اختاروا لغة الشارع وأسلوبه. فبدلا من أن تتعالى صرخات المعارضين وتتساقط رسائل احباطهم وقلقهم فوق رؤوس السلطة، مثلما كان يحصل في السابق، ها هو عضو في الحكومة يسلب المناوئين ذلك الدور هذه المرة ويقرر أن يرسل بدلا عنهم ومن تلقاء نفسه رسالة احباط رسمي إلى الثمانية الكبار الماسكين بناصية الاقتصاد والسياسة في العالم، ومعها بالطبع ناصية الانتقال الديمقراطي في تونس. لماذا أقدم على تلك الخطوة الآن بالذات؟ وهل يفسر ذلك أن منسوب الاحباط صار مرتفعا بشكل فاق التوقعات، وخرج عن سيطرة السلطات وطاقة احتمالها بعد أن تحول إلى خبز يومي للشعب والحكام على حد سواء؟

للمزيد:تونس .. الوحدة الوطنية في وجه الديمقراطية

من يتأمل تصريح الاحباط المذكور يسترجع على الفور كلام وزير العدل المقال الشهر الماضي، الذي أعلن فيه أنه ضحى بالمنصب لاجل الحفاظ على كرامته، في أعقاب رفضه اوامر رئيس الحكومة لحضور جلسة بالبرلمان، كان من المفترض أن تناقش قانونا عرضته الحكومة بدون أن يحوز رضاه وموافقته.
لقد صارت شعارات الحرية والكرامة الوطنية التي رفعها المتظاهرون في تونس قبل ما يقرب الخمس سنوات من الان في وجه نظام الرئيس المخلوع بن علي، تخرج الان عاليا من افواه بعض اعضاء الحكومة التي اختارها الشعب بمحض ارادته وصميم قراره بعد الانتخابات التي جرت منذ عام. والغريب في الامر أن تتالى تصريحات المسؤولين لا من داخل البلد فحسب، بل حتى من خارجه ايضا لتصب في الاتجاه ذاته، والاغرب منها أن تكون الجهة التي تصدر عنها تلك الانتقادات الحادة والقوية هي، أمين عام الحزب الحاكم نفسه، بعد أن نشرت صحف محلية مقتطفات من محاضرة القاها في العاصمة الامريكية واشنطن منذ ايام وذكر فيها أن «الحكومة لا تعمل كتحالف او كفريق وليست لديها رؤية مشتركة ولا إطار أو مؤسسة للتنسيق بينها». مضيفا أنه «لا يوجد تواصل كاف بين الحكومة والشعب». ما الذي بقي بعد ذلك اذن لخصوم الحكومة ومعارضيها ليقولوه أو يفعلوه وقد منحتهم النيران الصديقة التي صوبت بسادية وعنف نحو الحكومة خدمة العمر، وقدمت لهم على طبق فرصة للتكشير عن أنيابهم والإعلان صراحة انهم «جاهزون للحكم»، مثلما جاء في كلام قياديين في الجبهة الشعبية اليسارية. وإذا كان معروفا أن الثورة تأكل ابناءها هل يمكن لاحد أن يتصور الان أن الحكومات صارت تلتهم ايضا أعضاءها؟
لقد تخيل الناس أن مجرد التوصل إلى اتفاق «الجنتلمان» بين الغنوشي والسبسي سيضع قطار تونس نهائيا على السكة، ولكن الواقع اثبت أن ذلك الاتفاق صار الان واحدا من بين أسباب مزمنة وعميقة فاقمت ازمة الحكم التي بدت في الظاهر ازمة حزب حاكم، أو ازمة قيادة ورؤية مفقودة، ولكنها ظلت قبل ذلك وبعده ازمة توافق ورقي مغشوش لم يرسخ لا في القلوب ولا في العقول. أما السبب، ببساطة، فهو أن نار الحرب الايديوليوجية المستعرة منذ ستين عاما في تونس لم تخمد بعد مثلما توهم أو تمنى البعض، لانه لم يكن سهلا على الدولة رغم كل الخطوات التي قطعها الاسلاميون نحوها أن تقبلهم وتجعل منهم شركاء حقيقيين في ما ظلت تعتبره النخب الفكرية والسياسية ملكا حصريا لها.
كيف تستعيد الحكومة حكومتها والمعارضة شارعها اذن؟ هذا هو جوهر السؤال المطروح حاليا في تونس، الذي سيتضح بعد الجواب عنه ما اذا كان البلد يسير بالفعل نحو انقلاب دستوري ناعم يكتم الانفاس الاخيرة لديمقراطيته الوليدة والهشة، أم انه رغم كل شيء ما يزال قادرا على البقاء على المدار التوافقي الذي وضعه فيه اتفاق» الجنتلمان» بين الشيخين أو الزعيمين الغنوشي والسبسي، أي سيبقى بلدا مدنيا محترما للمؤسسات وملتزما بارادة الشعب وقابلا ومقرا باختلافاته وتنوعاته الفكرية والسياسية.

٭ كاتب صحافي من تونس/”القدس العربي”